|
أنشأت مطبعة حديثة في شارع الشيخين فيليب وفريد
الخازن في منطقة الجميزة ، وبعد عودة الزعيم استدعاني لمقابلته: فامتثلت .
سألني عن حال المطبعة ، فأجبته : العمل في المطبعة متعثر . فانزعج وأعطاني
درساً في إدارة المطابع ، وأسرار ربحها وخسارتها ، والفن الطباعي ، وخفايا
المصلحة . ثم أعقب شرحه بالقول : سأعطي أمراً للمسؤولين في جريدة الجيل الجديد
والنظام الجديد ، والمطبوعات الحزبية لنقل مكاتبهم الى مطابعك ، فشكرته .
(…)أصدرت مجلة تاريخية ، فكرية ، أدبية ، اجتماعية عنوانها "الأجيال" كانت تصدر
نصف شهرية في مطابعي الكائنة في الجميزة. جاءني يوماً المواطن رامز البستاني
وعرّف عن نفسه بأنه أمير الزجل اللبناني بعد وفاة الشحرور – أسعد فغالي – وهو
يطلب عملاً. فاستقبلته، وحاورته فتأكدت أن الشاعر هو كتائبي منتظم. فوافقت على
طلبه وحددت له عمله بتحضير صفحة زجلية راقية لا تضم إلا روائع الزجل اللبناني،
وكلفته بجمع الاشتراكات لقاء مرتب شهري ونسبة مئوية من مدخول الاشتراكات . كنت
ادعوه لتناول الغذاء معي لأناقشه في وجهة نظر المنظمة الكتائبية – هكذا كانت
تدعى يوم تأسست ، وهكذا استمرت تسميتها الى أن وضع لها الدكتور جميل جبر
والمحامي عبيد عيسى مبادئ الحزب . وبعد التكريم ومنحه الثقة ، ومده بما يرتاح
اليه شعرت أن شاعرنا بدأ يتكيف بالجو القومي ، وبدأ يفهم عمق مبادئ الحزب ،
ونظرته الشاملة للحياة القومية والكون والفن .
وصار الزعيم يواظب عمله في المطبعة ليكتب مقاله الرئيسي ، وعبد المسيح يواظب
ليكتب سلسلة في الاقتصاد والرفيق وديع الأشقر يواظب كمسؤول عن إصدار الجريدة
وسلسلة النظام الجديد بالتعاون مع خريجي الجامعة الأميركية : هشام شرابي ولبيب
زويا ، وإنعام رعد وجورج عطيه .
ذات يوم دخل الشاعر رامز البستاني الى مكتبي مرتبكاً وعلى وجهه إمارات الخوف
آتياً من بيت الكتائب المتروك إرثاً من العهد الاستعماري Base Navale فقلت له :
ما بك ؟ أجابني : كنت أمس في بيت الكتائب الفرنسي . وإذا برياض الصلح يأتي
ليختلي بالشيخ بيار الجميل طوال ساعة . فسألته : هلا علمت شيئاً مما حصل في هذه
الخلوة ؟
أجاب : سمعت من الحراس يقولون : رياض يكثر زياراته لعند الشيخ بيار على غير
عادة .
أبلغت الامين عبد المسيح بالأمر . فقال : اطلب من رامز متابعة الزيارات إلى بيت
الكتائب لإطلاعنا على كل جديد يحصل هناك. وبالنتيجة وبعد تردد على بيت الكتائب
استمر أياماً ابلغني رامز بأن رياض الصلح والشيخ بيار اتفقا على ما يلي :
· عقد الصلح والاتفاق بين النجادة والكتائب .
· إقامة مهرجان للكتائب في قهوة القزاز (الزجاج) في الجميزة ، تجاه المطبعة .
· ساعة وصول الزعيم الى المطبعة يتحرش الحرس الكتائبي بمرافقي الزعيم ليصار
بعده الى اغتياله .
· في الأول من حزيران 1947 طلعت علينا جريدة لبنانية محسوبة لبيت الصلح بخبر
عنوانه : عقد رايات الصلح والوئام بين حزبي الكتائب والنجادة ، وأعقبت الخبر
برسم شعلتين تتوهجان نوراً ، ترمز إحداهما الى الكتائب والثانية الى النجادة ،
وقد ضمتهما الى بعضهما يد جبارة . وكتبت الجريدة أن الحزبين قد اجتمعا وتصافيا
في دار رياض بك .
(…) رافق الزعيم من منزله الى فندق النورماندي يوسف سلامة ابن شقيقة النائب
السابق ونائب رئيس مجلس النواب منير ابو فاضل ، وهشام شرابي للقاء وزير
الداخلية جبرائيل المر ، وبعد خلوة دامت نصف ساعة خرج سعاده مرتاحاً مطمئناً ،
لم يكن يعلم أن الطغمة الطائفية الحاكمة والمتزعمة الأحزاب الطوائفية متعاقدة
فيما بينها للتخلص من الزعيم ومن حزبه ، لأن المبادئ التي أطلقها عبر الكيانات
السورية من اجل إعادة توحيدها كأمة سورية كانت تسمى خلال عهود وقرون وأجيال
الهلال الخصيب ، هي مرفوضة من المستعمرين ومن الصهيونية ومن بعض دول العالم
العربي . ولم يخطر بباله وهو "الصادق فيما يقول والشريف في معاطاته ، والمخلص
الوفي فيما يتعهد ويوقع" ، إن الحكومة كانت تفاوض بشخص وزير الداخلية وتخطط مع
الكتائب والنجادة وأجهزة الأمن لاغتياله والقضاء على عناصر حزبه بأساليب الكبت
والضغط والسجن والإرهاب والتعذيب والتشريد والتهجير .
وصل الزعيم الى المطبعة بعد أن كان قد شرح ليوسف سلامة وهشام شرابي أن رفيقاً
(وهو الرفيق ميشال فضول) قد انشأ مطبعة حديثة في منطقة الجميزة في شارع الشيخين
فريد وفيليب الخازن وان مكاتب جريدة الجيل الجديد والنظام الجديد انتقلت الى
الجميزة .
وعليه واجب كتابة المقال ، الافتتاحي للعدد . وصل الزعيم الى المطبعة فوقف
أمامها يتأمل الجمهور ويستمع ، ثم دخلها واختلى بنفسه لكتابة المقال وإذا
بالضجيج يرتفع وأصوات المهرجين تتعالى من المقهى المقابل للمطبعة والذي تقيم
فيه الكتائب مهرجان التحدي لتنفيذ المؤامرة الصلحية – الجميلية . مع لفت النظر
الى ان المقهى لا يتسع لأكثر من مئة شخص – ومهرجانات الكتائب كانت تضم آلاف
الشباب الماروني تضيق بهم ساحة البرج ، فاستغرب الزعيم هذه الضجة المفتعلة من
قبل الكتائب .
وأثناء موجة الصخب وصلت مفرزة من رجال الأمن : تحري وأمن عام وشرطة ودرك لحماية
المعتدين والقيام بفعل ما عجزت عنه الكتائب ، وإذا بسيارة شامية تقف أمام
المطبعة ويترجل منها سائقها صبحي فرحات والأمين عصام المحايري ، فازداد إطلاق
الرصاص بالهواء.
فتح سعاده باب غرفة مكتبه وتساءل عن أسباب الرصاص والضجة ، فقيل له بأن الكتائب
تقيم احتفالاً في المقهى ، وقد حشدت في الشوارع جمهوراً وعناصر مسلحة تهتف
هتافات فيها تحد واستفزاز. فهز الزعيم رأسه دون إنفعال محافظاً على هدوء أعصابه
، ثم صعد رامز البستاني الى الطابق الأول حيث هو الزعيم ، واجتمع به ، وابلغه
عن سوء نية الكتائب ورجال الأمن والمخطط المدروس لاغتياله .
فشكره الزعيم على نبل أخلاقه وأعقب شكره بقوله : ما تعود سعاده أن يجبن ، سأكمل
واجبي اليومي فإطمئن . عندها استبدل سعاده مقاله بمقال آخر مستمد من واقع الحال
عنوانه : هشيم الطائفية يشتعل في الجميزة .
بعد انتهاء الزعيم من كتابة مقاله كان فكتور اسعد المسؤول عن التدريب قد وصل
الى المطبعة وبرفقته خمسة عناصر من المقاتلين ، بينهم خليل الطويل الذي أصيب
برجله ، وكان ذلك بناء لهاتف من المطبعة الى مركز الحزب لتأمين الحراسة للزعيم
.
ترك الزعيم مكتبه عابراً الدار الى الباب الخارجي الملتصق بالشارع مقابل المقهى
تماماً ، وتبعه الأمين عصام المحايري وهشام شرابي ، وصبحي فرحات ويوسف سلامة .
أما فكتور اسعد والحرس الذين بإمرته فكانوا متأهبين على الرصيف . وقف الزعيم
على الرصيف متحدياً الجمهور ولفيف أجهزة الأمن ، وتفرس بهم وبمقاتلي الكتائب ،
فاستهابوه وتراجعوا عن الرصيف ساعة سمعوا فكتور اسعد يصرخ بصوت مرتفع تحية
للزعيم خذ فيمتثل حرس الزعيم ، وترفع الأيدي بالتحية الحزبية ، وهم يصرخون بصوت
واحد : "تحيا سوريا" .
اختفى ضجيج المقهى ، وسكتت الأصوات واختنقت الحناجر المعادية للجيل الجديد
أبناء الحياة – ومر سعاده بهدوء وبرودة أعصاب مخترقاً النطاق الكتائبي بين
فكتور اسعد والمقاتلين رافعاً يده بالتحية سائراً ببطء باتجاه المقهى حيث كانت
سيارة صبحي فرحات . دخل الزعيم السيارة ورافقه الامين عصام المحايري واحد
المقاتلين ، أما يوسف سلامة وهشام شرابي فسارا لوحدهما . أما بقية عناصر الحزب
فقسم منهم اتجه الى مقهى الشامي المحسوب للقوميين . وقسم منهم اتجه نحو سينما
أمبير – ساحة البرج .
في تلك الأثناء تأكد رجال الأمن الموفدين من قبل رياض الصلح أن المؤامرة فشلت
ولم تحقق هدفها ، وان الكتائبيين الموكول إليهم تنفيذها قد جبنوا ، وان سعاده
ومرافقيه وحرسه تركوا المطبعة سالمين . فأطلقوا الرصاص على المقهى ليقال بان
القوميين هم الذين أطلقوا الرصاص . وبدأوا المعركة ، فهاجم مقاتلو الكتائب
المطبعة ومكاتب الجيل الجديد فيها بعد أن نهبوا مستودع الورق وكمية الرصاص
المعدة لآلة التنضيد الحديثة Intertype وأشعلوا الكاز الذي كانوا قد رشوه في كل
الزوايا والأنحاء وعلى المعدات .
أضرموا النار في المطبعة بعد أن أمعنوا فيها نهباً وتكسيراً ، وجرح ثلاثة من
القوميين الذين كانوا ملازمين عملهم ، فنقلوا إلى مستشفى أوتيل ديو ، والقسم
الآخر قبض عليه من قبل رجال الأمن. وحده تمكن من الإفلات وديع الأشقر المسؤول
عن إصدار الجريدة ، واميل الخوري من بيت شباب المسؤول عن تنضيد الجريدة ،..
وكان قد اختبأ في غرفة أقاصيص الورق فلم يره احد . أما أنا فكنت من نصيب مركز
قيادة الدرك "السيار" جنب أوتيل ديو . دخلت أولاً ، ثم ازداد العدد حتى تجاوز
الخمسماية .
اتصل شقيقي الأكبر مجيد عدة مرات بالإطفائية فلم يلب الطلب ، اتصل بالبوليس ،
بالشرطة ، بالدرك فلا احد جاوب ، لأن الهواتف مقفلة بأمر من رئيس الحكومة رياض
بك . ولم يحقق أحد من سلك القضاء او أجهزة الأمن بالحادث الذي يخفي وراءه جريمة
اغتيال سعاده ، التي كانت مقررة قبل حادث الجميزة بدليل ما قام به الأمير عادل
ارسلان ، والخطاب الذي ألقاه يوم مصالحة النجادة والكتائب ،… وبدليل ما صرح به
رياض الصلح الى جريدة أخبار اليوم المصرية بتاريخ 13 حزيران سنة 1949 قائلاً
بأن الحكومة اللبنانية كانت قد استعدت لحل الحزب ، وحددت موعداً لذلك يوم السبت
في 11 حزيران 1949 لكن حادث الجميزة الذي وقع يوم الخميس في 9 حزيران 1949 أي
قبل اليوم المحدد بثمانية وأربعين ساعة هو الذي جعله يقدم موعد حركة التطهير .
وبدليل ما جاء في تقرير الامين فريد الصباغ المرفوع الى المجلس الأعلى : "في
الأسبوع الأول من شهر حزيران عام 1949 ، أي في السابع من حزيران بعد الحفلة
التي أقمناها في دار حضرة الزعيم على شرف المغترب فؤاد لطف الله . وصل لعندي
رسول من قبل وزير الداخلية السيد جبرائيل المر يستدعيني لمقابلته في مكتبه في
مبنى سينما روكسي ، فذهبت حالاً تلبية لطلبه ، ووصلت لعنده حوالي الساعة
الخامسة بعد الظهر . ولما دخلت عليه جالساً وحده في المكتب دعاني للجلوس بقربه
وقال : "يا فريد ليلة البارحة كان عندنا جلسة مجلس الوزراء ، وقامت القيامة
عليكم من بقل رئيس المجلس وبعض الوزراء فوقفت أنا أدافع عنكم ، فلم أوفق بتهدئة
الحالة وبالنتيجة اتخذ قرار إجمالي بملاحقتكم وبإبادة الحزب . فعليه أردت أن
اتصل بك وأخبرك عما جرى في الجلسة لكي تأخذوا الاحتياطات اللازمة ، والآن إذهب
لعند الزعيم واخبره بالأمر وارى من المناسب أن تتصلوا برياض الصلح وتدخلوا معه
بمفاوضات للرجوع عن القرار المتخذ بحقكم .
قلت : أريد أن اعرف ما هي الأسباب ! هل لديكم مبررات . أجاب لا تطول "الشرح" .
لا اقدر أن أقول اكثر من ذلك .
ذهبت حالاً لعند الزعيم وأخبرته بحديث وزير الداخلية واقتراحه بمقابلة "رياض
الصلح". رفض الزعيم وطلب مني أن أبقى مفاوضاً للقصر .
"أما الآن فإذهب الى ضهور الشوير ودبر لنا المقر الذي كنا نرجع اليه في الحالات
الصعبة . ولكن قبل ذلك عليك مقابلة الشيخ خليل الخوري نجل رئيس الجمهورية ،
لتطلعه على القرار المتخذ بحق الحزب" .
نفذت الأوامر . فقال الشيخ خليل: أنا ما عندي علم بذلك أمهلوني ساعتين لأراجع
بالموضوع. وبعد ساعتين رجعت اليه فبادرني بالقول : رياض الصلح هو المتحمس
لموضوع ملاحقة الحزب وضربه في الصميم ، ووالدي ما بيده شيء لان رئيس مجلس
الوزراء هو نفسه رئيس مجلس الأمن وبيده كل القضية . اطلعت الزعيم بما جرى .
قال إذن عليك الذهاب الى ضهور الشوير وسأكون هذا المساء عندكم حيث مرادي المرور
الى مكتب الجريدة لأشرف على بعض المقالات .
نفذ فريد ما طلبه الزعيم وانتظر مجيئه دون جدوى وإذا بالمهندس الرفيق ادكار
عبود يصل ضهور الشوير فجأة ليقول الى فريد الصباغ : انهض حالاً يا فريد لأن
الزعيم يدعوك للحضور الى بيروت وبرفقتك عبد المسيح ، وكانت الساعة الواحدة
والنصف بعد منتصف الليل . فاقل له فريد كنت انتظر مجيء الزعيم الى الضهور فماذا
جرى . قال ادكار : عند خروج الزعيم من دار الجريدة وتأدية التحية له ، وانصراف
المرافقين هجم عناصر الكتائب على المطبعة واحرقوها وأطلقوا النار على عدد من
شبابنا وهم الآن في مستشفى أوتيل ديو . والزعيم بخير في رأس بيروت . سارع فريد
وادكار لاصطحاب عبد المسيح فوجداه نائماً في مدرسة الفريكة التي أسسها جورج
مصروعة وميشال فضول الأشقر . وعندما وصلوا الى بيروت قال عبد المسيح : يا فريد
إن دخولنا المدينة خطر . أنا خائف من إلقاء القبض علينا فقال له فريد : دخولنا
ضروري حيث الزعيم يدعونا لمقابلته .
وبدأت سيارات الشحن تمر ناقلة أفواجاً من القوميين . فاتجهوا الى بيت الزعيم
فلم يجدوه لأنه كان خرج من منزله قبل مجيء قوات الأمن اللبنانية الى داره ،
واعتقالها الموجودين .
يوم كنت سجيناً مع رفقاء لي من كل المناطق اللبنانية في مركز قيادة الدرك جانب
أوتيل ديو كان يدخل الضابط عبد المجيد الزين مسايراً ملاطفاً مقدماً لنا
استعداده لخدمتنا ساعة نخرج من السجن طالباً منا مساعدته في حال نجاح الحزب
ووصوله الى السلطة .
وفي مساء السابع من تموز دخل علينا عبد المجيد الزين بلهجة لم نسمعها منه من
قبل ، فأمرنا بالانبطاح . وأطفأْ الأنوار وصرخ فينا قائلاً الكبير فيكم سأدعسه
بجزمتي ، وسأكسر عظامكم ورؤوسكم ، حتى لا يبقى فيكم "حي يخبر" وفي تلك اللحظة
التي اظهر فيها عبد المجيد بطولته وعبقريته وتهذيبه الجارح وصلت الى حوش المركز
سيارتا جيب . وبعد نصف ساعة تقريباً خرجت السيارتان وأضيئت الأنوار وارتفع صوت
عبد المجيد قوموا "يا عكاريت" ، وانقلوا حوائجكم الى السيارات الشاحنة .
الشاحنة التي كنت فيها توقفت أمام المحكمة العسكرية وبعد فترة قصيرة رأيت سيارة
فولسفاكن صغيرة تتوقف أمام المحكمة العسكرية ويخرج منها نعمة تابت . فقلت
للرفيق المرحوم جرجس ابو جوده الذي كان بجانبي : أظن يا جرجس أن المشهد الذي مر
بنا ومعنا في "السيارة" يثبت بأنهم اعتقلوا الزعيم وأتوا به لقيادة الدرك عند
الرفاعي لتنتقل به الى المحكمة العسكرية بدليل وجود نعمة تابت هنا . |