|
||
| أحزاب الجبهة والانتخابات | ||
| نزار صباغ | ||
|
02 أيلول 2007 |
||
|
قد يكون المهتمون بالشأن العام
على قناعة تامة بتزايد حالات اليأس والقنوط والفراغ ، التي تعيشها الغالبية
الساحقة من المواطنين نتيجة لمجريات الأحداث والتطورات والمتغيرات وبخاصة في
الساحة الداخلية في بلادنا ، وبانواعها كافة .
ولا اعتقد أنه يضع الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني في مقدمة
المشكلات أو أنهما السبب الرئيس في كل المنغصات اليومية أو السبب المباشر في
احباطاته المستمرة والمتزايدة ، إلا لسبب واحد باعتقادي وهو مقدرته على توجيه
الشتائم لهما جهارة وعلانية دون وجل عوضاً عن وزاراتنا العتيدة . سبق وأن كتبت مقالاً بعنوان "الإدارات المحلية والانتخابات " تطرقت خلاله إلى العديد من التفصيلات والمعايير الواجبة - والتي نجمت عن تجربة شخصية استمرت أربع سنوات في مجلس مدينة حماة - وبخاصة أن للمجالس المحلية دور هام في مستقبل أي مدينة ولسنين عدة قادمة ... وضمن هذا السياق أذكر أنه قد سبق وأن قامت وزارة الإدارة المحلية بتنفيذ ورش عمل حول "قانون الانتخابات للإدارات المحلية" بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة منذ حوالي سنتين سبقت ومنها في حماة ، شاركت ومجموعة من الزملاء أعضاء المجلس فيها وتقدمنا بآرائنا حول القانون وطالبنا بتعديل الكثير من البنود الواردة فيه ، ومنها على سبيل المثال الدوائر الانتخابية ولوائح الشطب والسن المحدد للترشح والمؤهل الثقافي وغير ذلك من الأمور التي تسهم في التفعيل والتطبيق الحقيقيين لمفهوم الإدارة المحلية بما يتطابق تماماً مع التغير في المفاهيم المجتمعية العامة وتطورها بعد مرور ثلاثة عقود تقريباً على "تجربة الإدارة المحلية" ، وأذكر هنا أن الأحزاب المتحالفة تحت مسمى "الجبهة الوطنية التقدمية" قد ساهمت بتقديم توصياتها حول ذات الموضوع . وقد تقدمنا أيضاً بمقترحات تتعلق بالإدارة المحلية ومنها الفصل التام بين رئاسة المجالس ورئاسة الكادر التنفيذي (البلديات) وأن لا يكون موظفي البلديات أعضاء في المجالس وأن تكون رئاسة المجلس انتخاباً حقيقياً من أعضاء المجلس وليس تعييناً ، إضافة إلى التطوير لصلاحيات أعضاء المجالس . كانت خطوة جيدة باعتقادي ، تثبت وجود حالة حقيقية من الاهتمام بإحداث نقلة جدّية تطويرية في "الإدارة الشعبية" بدلاً من الاستمرار برفع الشعارات الفارغة التي عفى عليها الزمن ... وكان من المفترض الإسراع بتنفيذ عملية تقاطعات حول الآراء تمهيداً لإصدار قانون جديد للإنتخابات وللإدارة المحلية ، قبل الانتخابات الحالية بزمن مقبول .
نحن حقيقة بحاجة مستمرة إلى ما يمكن تسميته بالنقد الذاتي ، أن نتوقف طويلاً
أمام أنفسنا ونقوم بمراجعة حقيقية لأعمالنا كي نستطيع إجراء عملية تقييم واقعية
شفافة لما قمنا به من أعمال ومواضع الخلل والخطأ ، وكي نستطيع الابتعاد عن نسب
الانجاز الورقية المخادعة التي تسبب للجميع مزيداً من الإحباط ، وكي نستطيع وضع
برامج بالأولويات الحقيقية تبعاً لمقتضيات المصلحة العامة التي أفهمها بأنها
مصلحة المواطنين الذين يمثلهم عضو المجلس ... واستغرب تماماً العمل التنفيذي العكسي للتوجيهات الصادرة عن رئاسة الجمهورية وكأن المسؤولين الإداريين والتنفيذيين بشتى مرتباتهم الوظيفية قدموا إلينا من "المريخ" أو انهم من طينة مختلفة أو من توجه فكري مختلف أو بحاجة إلى ترجمان لإفهامهم المعنى المقصود من "المواطنية" و"مسؤولية المواطن وحقوقه" و "المواطن مسؤول والمسؤول مواطن" وغير ذلك من التوجهات .
وباعتقادي ، لا يمكن لأحد كائناً من كان ، إدعاؤه عدم معرفته بالمشكلات أو
كيفية سير العمل وأنه بعكس التوجهات، بدءاً من أصغر مرتبة وظيفية في الدولة إلى
رئاسة مجلس الوزراء والقيادة القطرية وقيادة أحزاب الجبهة ... هذا ما يمكن اعتباره تسمية ملطفة ومخففة لثقافة القطيع أو ثقافة الوهم التي تنحسر تدريجياً إنما بقوة وثبات ضمن مجتمعنا ، وهو ما لا يمكن إنكاره أو تجاهله لأن التطور هو سنة الحياة وما كان يعتبره البعض صحيحاً خلال حقبة زمنية ما فإنه غير صحيح في حقبة أخرى ... وهو نتيجة لعوامل عدة ومختلفة لا يمكن تجاهلها كما لا يمكن إيقافها كما هي المعرفة وتلاقي الثقافات والحضارات والأفكار وتبادل المعطيات .
الخلل معروف عند الجميع وحالة الإحباط تتزايد عند المواطنين ولا بد من وقفة
حقيقة مع الذات .... وقفة صادقة تنطلق من التطور الحتمي للحياة والمعارف وتلاقح
الثقافات والتغيرات في الرؤى والتطلعات والاستراتيجيات . الوقفة المطلوبة أو جزء منها ، وقفتها منفذيّة طرطوس في الحزب السوري القومي الاجتماعي من خلال انسحابها من لائحة الجبهة الوطنية التقدمية في انتخابات مجالس الإدارات المحلية في طرطوس ، وذلك لاعتبارات عدة على ما أعتقد ... قد يكون أهمها مجموعة من التراكمات الناجمة عن العقليات الإدارية والتنفيذية لما يسمى "قيادة فرع أحزاب الجبهة" في طرطوس ، والتناقض الكبير ما بين الطروحات والتوجيهات المعلنة لرئاسة الجمهورية من جانب وكيفية التنفيذ والآليات التنفيذية من الجانب الآخر ، إضافة إلى جديّة الالتزام والاهتمام بمشكلات وهموم المواطن وجديّة الاهتمام بتطبيق قانون الإدارة المحلية المعمول به - رغم ضرورة تطويره - ، ونوعية الاعتبارات والمعايير والخلفيات التي اتبعت لتسمية الأعضاء في لائحة "الجبهة" ، إضافة إلى حالة الابتعاد من قبل المواطنين عن المشاركة في عملية الانتخاب .. هذا عدا عن واقعه الحقيقي كتنظيم
حزبي له حضوره ووجوده وفاعليته التي لا يمكن إنكارها أو تغييبها - وهذا ما
يعلمه أبناء محافظة طرطوس تماماً – الأمر الذي لا يمكن لأي منطق كان القبول بأي
تهميش لدوره في المجتمع ، تأكيداً لتفعيل دور الأحزاب المطلوب ، لا مجرد
إعطاءها "حصة" من قالب للحلويات . وبالنسبة لي ، اتمنى أن يكون
الفعل الذي بدأه الحزب في طرطوس بداية لوقفة صادقة مع الذات ، ولجميع
الأحزاب.... لا أدعو هنا
إلى حالة من التمرد كما سيحاول البعض من المعتادين على الاصطياد في الماء العكر
، إنما أدعو إلى التوقف عن العيش بثقافة الوهم ، وإلى ممارسة العمل الحزبي
بفعالية لأن الأحزاب جميعها من المجتمع ، وإلى المجتمع .. يبقى التساؤل قائماً ، ما
المانع من تطبيق ذلك في الإدارات المحلية على الأقل ؟ كمرحلة أولى حقيقية من
العملية الديموقراطية الشعبية التي يمكن أن تنتج عن عملية انتخابية شفافة
حقيقية وبرامج انتخابية معلنة ، هذا إنطلاقاً من أن أحزاب الجبهة ذات قواعد
شعبية ولها برامج نهضوية تطويرية لمصلحة المجتمع . إضافة إلى تجاهله المشاركة الفاعلة بسبب عدم وجود برامج انتخابية حقيقية لدى المرشحين عامة - "المعينين" أو المستقلين – إلا القلة القليلة منهم ، وعدم تمكن المرشحين المستقلين من اللقاء مع المواطنين ومحاورتهم في مشكلاتهم ورؤاهم حول مدنهم ومستقبلها وتطورها ودور المجالس المحلية في ذلك كما هي المتطلبات الحقيقية الواجبة لإيجاد المفهوم الصحيح للثقافة الانتخابية - لا أن يقتصر الأمر على عدة اجتماعات "جماهيرية" لمدراء ورؤساء المديريات والدوائر والمنظمات الشعبية مع قيادات "أحزاب الجبهة" تطبل لها الصحافة المحلية وتزمر وتعبئ الصفحات بصور وكلام لا يغني ولا يسمن - ، هذا إضافة إلى الضعف في انتشار الثقافة المعرفية الواجبة حول الإدارة المحلية وواجباتها ومسؤولياتها . كما أعتقد أن مجريات الانتخابات
لا تختلف في حماة عن باقي المدن ، فنسب الاقتراع الحقيقية من قبل المواطنين
المهتمين كانت ضئيلة جدا تعبيراً عن حالة الإحباط السائدة وكمثال أذكر هنا أن
الكثير من المراكز لم تصل أعداد المقترعين الحقيقيين فيها إلى المئة ، أما عن
كيفية حصول الانتخابات فقد كان تداول البطاقات الانتخابية على قدم وساق ولكميات
كبيرة منها – عدا بعض الاستثناءات - ، كما وصلت أعداد الناخبين في بعض المراكز
إلى أرقام تجاوزت المئة ضمن فترات القيلولة المعتادة عند المواطنين (؟) رغم
أنها لم تكن تتجاوز العشرات قبل زمن قصير ، وبديلاً للناخبين عن الكتابة ضمن
الغرف السرية فقد تمّ نسخ الآلاف من اللوائح الانتخابية المكتوبة بأسماء البعض
وبطريقة مبتكرة (ملونة) ومضافة إلى لائحة أحزاب الجبهة ، أما "الهدايا"
بأنواعها وكميات الطعام والحلويات فقد كانت توزع على المراكز الانتخابية وغير
ذلك من الوعود ومواعيد اللقاء اللاحقة ، وبذلك كانت النتائج محسومة سلفاً وظهرت
كما تم توقعه ، ويؤسف له ... والمؤسف أيضاً أن تكون الأقوال
التي ترددت صحيحة من أن الشكاوى والطعون التي تم تقديمها إلى الجهات صاحبة
العلاقة والمرفقة بثبوتيات ، تم رفضها وتجاهلها .... مما استدعى من البعض
المهتم إطلاق تسمية المهزلة على هذه الانتخابات .... والمؤسف أكثر تسمية ما حصل بالعملية الديموقراطية ، إلا إذا كان الغرض إثباتاً أن هذا الشعب اللامبالي يستحق مثل هذه النتائج ، وبالطبع فإن هذا الشعب اللامبالي يضم بينه كثيراً من أعضاء تحالف أحزاب الجبهة .
اتساءل هنا ، كيف سيكون الأمر عليه إن كان هناك تفعيل حقيقي لدور الأحزاب
ومنظمات المجتمع الأهلي؟ كيف سيكون عليه الأمر إن كان هناك تغيير حقيقي لقانون
الانتخابات ولقانون الإدارة المحلية سبق إجراء الانتخابات ؟ كيف سيكون الأمر
عليه إن وقفت الأحزاب وقفة صادقة مع الذات ، أو إن شاركت في الانتخابات ببرامج
انتخابية خاصة بها ..؟ ألم يحن أوان وقفة صدق مع الذات والقبول بصحة الاعتراضات
والطعون حول مجريات الانتخابات ...؟ ألا يمكن لذلك أن يساهم بقدر كبير في إعادة
حالة الثقة بين المواطن والحكومة ...؟ وختاماً ، تحياتي وتهنئتي أقدمها للحزب السوري القومي الاجتماعي – منفذيّة طرطوس .
|
||
|
|
||
|
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع |