| صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية | www.ssnps.jeeran.com |
|
الحزب كما نفهم |
|
|
هنري حاماتي |
|
|
إذا كانت الديمقراطية تشكو عيباً فهو عيب هذا الحياة الحزبية المتردية , وهو عيب هذه الأحزاب التي فشلت حتى الآن في استقطاب العمل السياسي و بقيت هامشية متنافرة ضعيفة . يسوقنا إلى التصدي لهذا الموضوع الشائك أمران : الأول أن الأحزاب السياسية العالمية و في الدول الذرية خاصة قد بلغت مستوى قيادة العالم الحديث متحملة وحدها مسئوولية العمل في الشؤون الدولية المعقدة الراهنة فضلاً عن اضطلاعها بمهمة التنسيق شؤون المجتمع العصري كافةً تخطيط و تنفيذ في حقول الاقتصاد و السياسة و الإدارة و الإنماء الاجتماعي و التطور العلمي و الثقافي . الثاني أن أحزاب بلادنا على وفرة عددها و أتساع رقعتها في القطاع الشعبي قد انتهت بعدما يقارب ربع قرن من العمل إلى تكريس نظرة مهينة و مخيفة إلى الانتماء الحزبي و السلوك الحزبي و العضوية الحزبية بحيث صارت كلمة حزب مرادفة للعصبية الحمقاء و التحجر و التحزب الأخرق و الضيق الفكري و غيرها من الصفات التي تعلن عن انهيار الحياة الحزبية و ركاكتها و تفاهتها . ولكن و قبل أن نلج مدخل الموضوع نحب أن نلاحظ أن هذا الانهيار الكامل الذي نشهد اليوم مأسيه في اضطراب الحياة الديموقراطية مسؤول عنه أيضاً ذلك الضغط المركز الذي استهدفا الأحزاب السياسية في المنطقة كلها و الذي كانت تؤيده و تسانده و تشد أزره الرجعية في الداخل و الاستعمار في الخارج . إن هذا العصر هو عصر الشعوب و الحرية بمفاهيمها و أطرها المختلفة , هي القيمة الإنسانية الكبرى التي أسست لها الثورات الاجتماعية و العلمية و الاقتصادية المتتابعة على كرة البشر . إنه عصر الشعوب و الشعوب هي التي تقود حركة التطور العالمي : تحكم نفسها تقرر مصيرها تخطط لحياتها و تبني كيانها و لا يكون ذلك كيفياً و لا يتم ذلك فوضوياً بل بتصميم مسبق بالوعي و بمواجهة علمية مدروسة بالنظام . الحزب هو مظهر هذا التصميم الواعي , و هو مظهر المواجهة النظامية لقضايا الحياة . على أن الحزب من حيث هو مؤسسات دستورية , و أشكال و دوائر هو أداة ليس إلا . إنه نظام الشكل و النظام ليس شكلاً . و الشكل لا يمكن أن يكون بزاته , هدفاً , و غرض و غاية . إنه إطار و وعاء . إنه يخدم في أنه يضبط الإمكانات البشرية المتجمهرة , المتطلعة إلى هدف و غرض و غاية . إنه ينسق التعاون بين الجماعة المترافقة في طريق واحدة . إنه ينظم الطاقات المادية , و يضع الأفراد في جو واحد من العمل و في اتجاه واحد هادف إلى التحقيق . النظام ليس نظام الشكل . و الفرق كبير بين النظام و التنظيم و لكي نأخذ فكرة واضحة عن أحزاب بلادنا , و لكي يكون لنا أن نصنفها , يكفي أن نحدد معنى النظام في الحياة , و أن نقوِّم في ضوئه (التنظيمات ) و( المنظمات ) و(الأحزاب) التي نعرفها . النظام فكر و نهج , ثم هو شكل يحقق الفكر و النهج . الفكر طريقة في فهم المجتمع و الإنسان و القيم . إنه نظرة إلى الحياة و هو من هذه الوجهة يفترض أسلوب ذهني و أخلاقياً في التفكير و العمل يلائمه . و هو من هذه الوجهة أيضاً تطلع إلى المستقبل . و الفكر في العالم الحديث لا قيمة له بذاته . إنه يأخذ قيمته حين يتحول إلى نهج . كل فكر لا يترجم إلى نهج , في حدود الحياة الفردية و في إطار الحياة الجماعية أو البيؤوية الاجتماعية , و في مجال العمل و الإنتاج : هو شيء لا قيمة له . لان الفكر لا يأخذ قيمته من ذاته بل من الحياة . لان وظيفة الفكر خدمة الحياة و قيمته في هذه الخدمة . الحزب هو مظهر النظام في حياة الجماعات البشرية . هو إذن مظهر وحدة المنحى الفكري , و مظهر وحدة النهج المحقق الهادف و مظهر وحدة الشكل التي اختيرت ملائمة للفكر و النهج الذين يتحققان بها . يرتبط الناس بالحزب بالنظام الشكلي لغرض أساسي هو تحقيق الفكر . الفكر هنا مبادىء و عقائد و شعارات و مفاهيم و أهداف . فإذا بطل الفكر , انتفى النهج المحقق له . فيبطل بالتالي مبرر استمرار الشكل , و مبرر الارتباط به . و لذا نرى أن كل ارتجاج في الفكر في الإيمان و المعرفة و الحياة النفسية الموحدة التي يمكن التعبير عنها بعبارة ( وحدة الروح ) ينعكس ارتجاج في النهج . ينعكس تفسخ و اختلاف في الاتجاهات و الأغراض و الأساليب و النتيجة المنطقية و الحتمية لمثل هذه الحالة ضعف المؤسسة , و تضعضع تماسكها و وحدتها و انهيارها . إذ كيف يستقيم الشكل إذا كان النهج معوج ؟ و كيف يستقيم النهج إذا كان الفكر ملتوياً ؟ كيف يستقيم الظل إذا كان العود أعوج ؟ فكر , و نهج ... ثم شكل نظامي يحققهما . هذا هو الحزب هذه هي الجماعة الموحدة في وعيها و إيمانها و مصيرها و أهدافها و تنظيمها . هل يكفي أن يستقيم الفكر و تحلو الشعارات , و تتسع الدعوات , حتى يستقيم النهج و يكون الحزب حزباً ؟ لا . فقد تبطن جماعة غير ما تعلن . و قد تنحرف عن أغراض إيمانها و تضل . فلا يكفي النظر إلى الفكر و حده إذا كنا نتوخا تقويم سليم لأحزابنا . لا يكفي النظر إلى المبادىء و الأهداف المرفوعة على اليافطات و المكتوبة في الصحف و المطبوعة في الكتب و إنما يلزم لذلك أن يتناول التقويم فكر الجماعة و نهجها معاً . أن يناقشها في مواقفها و أعمالها و منجزاتها. النهج هو الفكر , أو الفلسفة , في حالة من التحقق المباشر و الآني , في الزمان و المكان إنه المعرفة المكتشفة في حيز الفعل في حقول الحياة . فإذا كان الفكر يقدم المنحى , فالنهج هو السير في هذا المنحى . قد يكون صاحب الفكر واحد و قد يكون أكثر من واحد . غير إن النهج يجب أن تشترك فيه الجماعة بمجموعها , و أن تلتزمه التزام كيانياً واضح لا لبس فيه , وألا تظهر للمجتمع إلا بالمنحى الذي عرفت به , و عرف بها . النهج هو بهذا المعنى , الفكر في مراحل التجربة الإنسانية الحية , العنيفة : هنا يختبر الناس أفكارهم , و أغراض إيمانهم . هنا في قلب المجتمع , في صميم الزمان , يتثبتون من صحة اعتقاداتهم , يعدلونها , أو يتجاوزونها , و يحققون منها إرادتهم في المجتمع عملاً مثمر و سعياً تقدميا نحو الكرامة الإنسانية و السعادة . هذه بعض من مقومات الحزب و بعض من صفاته . ملاحظة : هذه المقالة من كتاب جماهير و كوارث ـ الطبعة الاولى 1968 |
|
|
|
|
|
www.ssnps.jeeran.com |
|
|
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع |
|