صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                      www.ssnps.jeeran.com
 
أحلام قد تتحوَّل إلى كوابيس..
 
صبحي غندور*


رغم اختلاف الظروف والقضايا في كلٍّ من لبنان وفلسطين والعراق، فإنّ واقع حال كلٍّ منها يحمل أحلاماً تقطع في سيرها حقول ألغام.

فالحلم اللبناني بمستقبل أفضل، الذي راهن عليه من خرج إلى شوارع العاصمة بيروت خلال شهر آذار/مارس الماضي، اصطدم بجحافل الطائفية والمذهبية والمصالح الفئوية التي اجتاحت الانتخابات اللبنانية فأفرزت واقعاً قديماً منبوذاً لكن بأثواب جديدة من المواقف والتحالفات.
فما زال كلّ لبنانيٍّ يعيش القلق على وطنه وأمنه ومستقبله، كما كان حاله قبل الانتخابات وقبل حصول الحلم نفسه.
وقد عاش اللبنانيون تجارب مشابهة في السنوات الماضية، إن من حيث الآمال والأحلام بالأوضاع الاقتصادية أو لجهة الانتصار على الاحتلال الإسرائيلي عام 2000.
فالوضع الاقتصادي اللبناني شهد على السطح طفراتٍ من النموّ والازدهار وكثافة العمران والسياحة، لكن قام في داخله على تراكم الديون والعجز الهائل في الميزانية.
أمّا الانتصار اللبناني على إسرائيل، من خلال فرض انسحاب قواتها دون شروط أو معاهدات، فكان حلماً لبنانياً تجاوز حدود الوطن ليترك أشرف الأصداء في عموم المنطقة العربية، خاصّةً في زمن التسويات هذا ما بين عجزٍ رسميٍّ عربي وجبروتٍ عسكريٍّ إسرائيلي.
لكن هذا الإنجاز-الحلم قد بدأ حوله الالتفاف الدولي لتحويله إلى كابوس بين اللبنانيين من خلال الصراع على الموقف من سلاح المقاومة.
وستكون هذه المسألة (إضافةً إلى سلاح المخيّمات الفلسطينية) أهمّ التحدّيات التي سيعيشها لبنان في الأشهر القادمة، حتى لو لم تكن هذه القضية هي الأولى المثارَة إعلامياً وسياسياً.
وسيخضع اللبنانيون قريباً من جديد لامتحانٍ ذاتيٍّ في مدى القدرة على ضبط الداخل أمام تحدّي الفلتان المنشود خارجياً.

على الصعيد الفلسطيني، يأمل الفلسطينيون أن يكون قرار حكومة شارون بالانسحاب من غزّة هو بداية للسير السليم على طريق الدولة الفلسطينية، وهي الحلم الذي راهنت عليه قيادة منظمة التحرير حينما وقّعت اتفاق أوسلو، فإذا بها تستيقظ على كابوسٍ إسرائيليٍّ في التمييع والمماطلة في تنفيذ الاتفاقات من جهة، ثمّ بإعادة احتلال لكلّ المناطق الفلسطينية.
متغيّرات كثيرة حصلت، فلسطينياً وإقليمياً ودولياً، منذ اتفاق أوسلو، لكن الوقائع القائمة على الأرض الفلسطينية ما زالت تحمل المواصفات نفسها وتهدّد بصراعات داخلية تظهر بوادرها الآن على أكثر من ساحةٍ وصعيد.
وسيكون الصراع على من "يحكم" أشدّ وبالاً من الصراع على من "يقاوم" إذا لم تستبق القيادة الفلسطينية هذه المراهنة الإسرائيلية بصيغة دستورية سليمة لأوضاعها ولعلاقاتها مع الفصائل الأخرى غير المشاركة بالسلطة الفلسطينية.

العراق
أمّا العراق فيعيش الحلم والكابوس معاً في جسمٍ واحد منذ سقوط النظام الصدامي البعثي حصيلة الاحتلال الأميركي. وكان حلم كل الشعب العراقي أن يسقط هذا النظام الذي عاث فساداً وظلماً وإجراماً في داخل العراق وحوله لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن. لكن هذا الحلم أصبح كابوساً بعدما تحقّق على أيدٍ غير عراقية، فكانت نتيجة الاحتلال هي سقوط الدولة كلّها وليس نظام صدام فحسب.
وحينما تسقط الدولة في أيِّ وطن، فإنّ الانتماء الوطني الواحد يهوي أيضاً لترتفع مكانه انتماءات أخرى هي أقلّ من نسيج الوطنية وأشدّ ارتباطاً بالخصوصيات التي يتكوّن منها أيّ مجتمع.
وقد ساهم الاحتلال الأمريكي بتمزيق النسيج الوطني العراقي، وصاغ بدائل أخرى تقوم على خيوط طائفية ومذهبية وإثنية، فأصبح حلم أيّ طائفة أو مذهب أو أقلّية قومية هو مشروع كابوس للآخرين، وأصبحت "عروبة" العراق هوية فرز انقسامي داخلي حينما يتمّ فرز المسلمين بين سنَّة وشيعة، فيقال السنّة "العرب" والشيعة .. ولا يقال حتى الشيعة العرب!!
وجرى فرز المذهب الإسلامي السنّي في العراق إلى "أكراد" و"عرب"، فأصبح الأكراد قوّة منفصلة مخاصمة لمن يشاركونهم الدين والوطنية منذ مئات السنين.
فلا الوطنية العراقية، ولا الانتماء الثقافي العربي المشترك، ولا الدين الإسلامي عموماً، أو المذهبيّ خصوصاً، كافٍ أيّاً منهم لوقف التسميات المتعمّدة الآن في العراق: سنّة وشيعة وأكراد، وهم في حقيقة الأمر يشتركون كلّهم ليس فقط بوطنية عراقية واحدة بل أيضاً في دينٍ إسلاميٍّ واحد وثقافة عربية واحدة تتناقض أصولها وطبيعتها مع العنصرية العرقية، وهي تُظلّل الكثير من الأصول الإثنية والعرقية من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي.

ألآن، الكابوس الأكبر لدى العراقيين هو كيفيّة الخروج من وكر الكوابيس الذي يعشش في العراق، وينمو باطّراد مع كلّ يوم تشرق فيه الشمس وتشتعل فيه أيضاً أجساد ومباني، وتنقص فيه أنفس العراقيين وأموالهم ... وهم صابرون.
المشكلة أنّ الفرز قد حصل في العراق بين العاملين على إنهاء الاحتلال الأجنبي عن طريق الانتخابات والعملية الدستورية وإعادة بناء الجيش والوطن على أسس جديدة، وبين المراهنين على المقاومة المسلّحة والعمليات العسكرية.
ووسائل الإعلام تحصي الآن فقط عدد القتلى والجرحى الأميركيين في العراق، ولا تتحدّث كثيراً عن مجموع عدد الضحايا العراقيين الذي هو أضعاف أضعاف عدد الإصابات الأميركية. لذلك، فإنّ اعتبار كلّ عمل عسكري يحدث الآن في العراق من قبل جماعات مسلّحة كأنّه مقاومة، لهو ظلم للمقاومة وللعراقيين كلّهم.
فأيُّ مقاومةٍ هذه تلك التي تبدأ جدول عملها النضالي اليومي بقتل وإصابة مئات العراقيين، وإلى جانبهم جندي أميركي واحد أو اثنين كما هو أعلى معدّل إصابات أميركية حصل حتى الآن؟
أيُّ مقاومة هذه التي ترى العدوَّ في العراقيين أولاً وفي المؤسسات العراقية التي ما لم يتمّ إعادة بنائها لا يمكن إنهاء الاحتلال والحفاظ على العراق كوطن واحد؟
"حلم المقاومة" أصبح كابوساً لدى العراقيين السائرين في العملية الدستورية، وحلم "الدستور الجديد" أصبح كابوساً لمن يستخدمون العنف المسلّح ضدّ سائر من ليس معهم.
واقع الحال يتطلّب تصحيحاً من الطرفين معاً، فلا قيمة للعملية الدستورية إذا لم تشمل كلّ العراقيين أو إذا قامت على معايير فئوية، ولا فائدة تُرجى أيضاً من أعمال عنفٍ لا تميّز بين مقاومة الاحتلال وبين القتل والإجرام بأبشع الصور.
إنْ هذه العمليات العسكرية لن تكون فيتنام جديدة لأميركا، ولا العراق سيأخذ بالنموذج الفيتنامي بعد تحريره من الاحتلال الأميركي. إنّ النموذج الأكثر حضوراً لحالة العراق هو ما حدث في أفغانستان بعد تحريرها من الاحتلال الروسي في مطلع التسعينات، حيث تصارعت القوى الداخلية في حربٍ أهلية دمّرت البشر والحجر معاً ومهّدت لمجيء محتلٍّ جديد قابع الآن في أفغانستان.
فحلم تحرير العراق الآن من الاحتلال الأجنبي يمكن أن يتحقّق إذا سارت العملية الدستورية والانتخابات القادمة بشكل صحيح، وإذا توقّفت أيضاً العمليات العسكرية ضدّ العراقيين والمؤسسات العراقية كلّها.
أمّا تداعيات العنف المسلّح الجاري الآن، فإنّها تدفع إلى ما هو أخطر من "الأفغنة"، بل إلى حروب أهلية عربية يكون مدخلها العراق وختامها هو نجاح المشروع الإسرائيلي فقط حتى على حساب المشاريع الدولية والإقليمية الأخرى الراهنة للمنطقة.

من لبنان إلى فلسطين إلى العراق، مشاريع كوابيس لن يكون أيٌّ منها محصوراً في دائرته المباشرة بل ستكون ساحتها وانعكاساتها هي المنطقة بأسرها.
مشاريع كوابيس بدأت كلها في أحلام الحرية أولاً من الإحتلال ثم تعثرت هذه الأحلام في قيود أوضاع الداخل بعد ذلك.
أيضاً ما هو مشترك بين أضغاث الأحلام أنّ مواقع الحالمين جميعهم تفتقد الأرض الوطنية الصلبة، والوحدة الوطنية السليمة، والبناء الدستوريّ السليم.

*مدير "مركز الحوار" في واشنطن
alhewar@alhewar.com
 

 

www.ssnps.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع