|
بعد مفاوضات بدأت عام 1996، تم التوقيع بالأحرف الأولى في مقر المفوضية
الأوروبية في بروكسيل في 19 تشرين الاول 2004 على اتفاقية الشراكة السورية
الأوروبية. وجاء توقيع الاتفاقية ضمن ظروف من التوتر المتزايد حول سوريا
والضغوط عليها، سواء بسبب سياسات اسرائيل التي تزداد تطرفاً، أو بسبب الاحتلال
الاميركي للعراق وتدهور الأوضاع فيه نتيجة السياسات الاميركية المتطرفة، أو
بسبب قانون محاسبة سوريا الاميركي، أو بسبب الضغوط الفرنسية الاميركية على
سوريا لانهاء تواجدها الحالي في لبنان وصدور القرار 1559، أو لكل هذه الأسباب
مجتمعة.
عكست المفاوضات الماراتونية التي استمرت ثماني سنوات (1996 حتى 2004)، رغبة
سورية بالشراكة من جهة، وحذراً منه من جهة أخرى. وقد جاء قرار القيادة السورية
بالاسراع في انجاز الاتفاق بعد تزايد الضغوط وبعد الاحتلال الاميركي للعراق في
آذار 2003.
التردد السوري تجاه الشراكة
انطلق الحذر السوري تجاه الشراكة من مجموعة من العوامل:
- الحذر السوري العام تجاه التغيير والاصلاح، خصوصاً ان اتفاقية الشراكة هي
اتفاقية شاملة للتعاون السياسي الاقتصادي والاجتماعي الثقافي، واتباع الادارة
السورية نهجاً متدرجاً وبطيئاً في اجراء أي تغييرات، بما يساعد على امتصاصها
دون إحداث أدنى أثر سلبي على الاستقرار.
- تأثير الموقف السوري التقليدي المتحفظ وممثليه في القيادة تجاه اتفاقات من
هذا النوع مع دول كبرى، واقتناعهم بعدم امكان قيام اتفاق متكافئ بين فريقين
متفاوتي القدرات، مما يهدد بجعل سوريا تابعاً ضعيفاً.
- الخوف من الآثار السلبية على الاقتصاد السوري، خصوصاً ان الاقتصاد السوري قد
اتبع أنظمة حمائية شديدة جعلت خبراته بالسياسات الانفتاحية التنافسية ضعيفة،
وعدم الثقة بقدرة الاقتصاد السوري على الاستفادة من الفرص التي تتيحها الشراكة.
ويعكس هذا كلاً من موقفي القطاعين، العام والخاص.
- القطاع الخاص السوري نفسه لم يكن متحمساً للشراكة بسبب تخوفه من آثارها.
والاتفاقية تشمل تحرير القطاعات السلعية والخدمية معاً. وبسبب الميزات الريعية
التي تقدمها له أنظمة الحماية الشديدة المتبعة.
- كانت سوريا أبرمت اتفاقاً للتعاون الاقتصادي مع المجموعة الاوروبية منذ 1977
لم تستطع تحقيق فوائد ذات قيمة منه.
- مصالح خاصة لا ترغب برؤية سوريا تنضم لمثل هذه الاتفاقية التي تعزز الشفافية
والمنافسة المفتوحة، وتقيد الكثير من الممارسات التي تولد المصالح لفئات معينة.
- الحذر تجاه تأثيرات الجانب السياسي في الاتفاقية والتي تشكل ضغوطاً غير
مرغوبة على سوريا.
جاءت الاحداث لتعززسريعاً الاتجاه المتحفظ تجاه الشراكة. فبعد ان تم الاتفاق
النهائي على نص الاتفاقية في التاسع من كانون الاول 2003، بادرت بريطانيا
للاعتراض على نص المادة 3 المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل، وطلبت تشديدها بما
يخلق التزامات محددة على سوريا. ورغم ان اسرائيل هي من يملك أسلحة دمار شامل،
فقد تم تجاهل هذا الواقع، اذ لا يوجد اي نص يلزم اسرائيل في اتفاقية الشراكة
معها. وسارعت اوروبا لتنضم الى الموقف البريطاني، وتحولت الشراكة من ملاذ سياسي
الى أداة ضغط سياسية، مما عرقل توقيع الاتفاقية بالأحرف الأولى لأكثر من عشرة
أشهر للبحث عن حلول وسط يقبل بها الطرف السوري.
من جهة أخرى هناك نظرة القيادة السورية لشراكة من زواياها الايجابية، والتي
جعلت الموقف الايجابي يتغلب على التردد:
- فالسياسة تشكل الدافع الرئيسي في رغبة سوريا بالشراكة مع اوروبا. فبعد انهيار
الاتحاد السوفياتي، وتزايد التطرف الاسرائيلي والضغط الاميركي، تحتاج سوريا الى
هذه المظلة السياسية، خصوصاً انها دولة متوسطية تتشاطأ البحر الأبيض المتوسط مع
الاتحاد الاوروبي. وللاتحاد الأوروبي مصلحة في هذه الشراكة. سوريا بحاجة لملاذ
سياسي في ظل الضغوط الاميركية، وازدياد تطرف السياسة الاسرائيلية وصولاً الى حد
الاعتداء العسكري على الاراضي السورية في عين الصاحب.
- كما ان استمرار سوريا بنظامها الاقتصادي الشمولي والحمائي غير ممكن، اذ بات
يتعارض مع التوجهات العالمية الانفتاحية، ويخلق من السلبيات اكثر ما يخلق من
الايجابيات.
- وقد ابرمت سوريا منذ 1997 اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، كما
أبرمت اتفاقات ثنائية لاقامة مناطق تجارة حرة مع العديد من الدول العربية، وهي
تتفاوض لابرام اتفاقية مماثلة مع تركيا، وتقدمت أيضاً بطلب للانضمام لمنظمة
التجارة العالمية. هذه الاتفاقات ذات طبيعة مشابهة لاتفاقية الشراكة السورية
الاوروبية، مع فارق ايجابي لمصلحة الاخيرة، وهو ان الاتحاد الاوروبي شريك
اقتصادي قوي بامكانات كبيرة وله مصلحة في نمو منطقة جنوب المتوسط لتقليص الهجرة
من جهة، وتوسيع أسواق هذه الدول وربطها بأسواق أوروبا من جهة أخرى. - وعكس قرار
الاسراع بانجاز اتفاقية الشراكة رغبة سورية بأن يكون لديها من يقف الى جانبها
ويساعدها، وهي تقوم بعملية الاصلاح الاقتصادي والانتقال من الاقتصاد المركزي
الى اقتصاد السوق، لجعل مخاطره أقل مما يمكن.
الاقتصاد يحتاج لان يحضر نفسه للشراكة سريعاً
لدى سوريا اقتصاد منوع يقوم على قطاعات صناعة استخراجية، وتحويلية، وخدمية،
وزراعية، وقوة عمل مؤهلة بمهارات تناسب قطاعات اقتصادية تقليدية، ووفرة من مواد
أولية تساعد على قيام عدد من الصناعات. والقيود الادارية التي فرضت في السابق
على الاستثمار لسنوات طويلة، ومناخ الاستثمار غير المشجع، كلها تركت الاقتصاد
السوري يختزن فرصاً كبيرة للاستثمار، وقدرات جيدة على النمو. وتملك الشركات
السورية اليوم قدرة جيدة على الانتاج بالمواصفات المطلوبة وبكلفة منافسة، غير
انها تعاني من ضعف قدرتها على تسويق منتجاتها على نحو خاص، اذ تتكدس المنتجات
السورية الصناعية والزراعية على نحو كبير، مسببة خسائر كبيرة وتعطيلاً لقطاعات
انتاجية كبيرة. كما يعاني الاقتصاد السوري من نقاط ضعف كثيرة، تحد من قدرته على
الانتفاع بالشراكة، وتجعل مخاطر التأثيرات السلبية للشراكة أكبر.
فمن جهة أولى، يغلب على الاقتصاد السوري الطابع السلعي. وما زالت قطاعات
الانتاج السلعي تساهم بأكثر من 50% من الناتج المحلي الاجمالي. ورغم ان تجارة
السلع تحقق فائضاًَ محدوداً (5,7مليارات دولار للصادرات 5,15 مليارات دولار
للواردات)، ويحقق ميزانها التجاري فائضاً محدوداً أيضاً (صادرات سلع وخدمات
وتحويلات جارية 8,15 مليارات دولار وواردات 7,4 مليارات دولار)، وكذلك ميزان
مدفوعاتها (9,5 مليارات دولار دائن ، و8,9 مليارات دولار مدين ). والأرقام تعود
لعام 2003.
ومن جهة أخرى، فان متوسط معدلات النمو يكاد لا يرتفع عن متوسط زيادة السكان،
متوسط دخل الفرد (نحو 1100 1200) دولار، وهو متوسط دخل الفرد منذ اكثر من عقدين
من الزمن. والقدرة التكنولوجية في الانتاج الوطني متدنية، وانتاجية قوة العمل
ضعيفة، والقيمة المضافة لاجمالي الصناعة السورية متدنية، وسلبية للقطاع العام.
وتعاني الادارة من ضعف على المستوى الكلي والجزئي، واعتماد كبير على قطاع
النفط، اذ يشكل 70% من واردات الدولة من العملات الصعبة، ويزداد مع ارتفاعات
اسعار النفط، واكثر من 80% من الصادرات. وهذا الدور مرشح للتراجع مع تراجع
انتاج النفط، وتزايد الاستهلاك بحيث يتوقع ان تتحول سوريا مستورداً للنفط الخام
ومشتقاته قبل 2010، ما لم يتم تحقيق اكتشافات جديدة.
ومناخ الاستثمار غير جاذب، ومعدلات الاستثمار السنوية تقل عن 18% من الناتج،
وهروب الرساميل مستمر منذ 1960. ونظام مالي ضعيف وقدرة محدودة على تمويل نشاطات
الاقتصاد الوطني وبتكاليف مرتفعة. وتركيب هيكلي ضعيف للتجارة. ففي عام 2003 كان
نحو 90% من الصادرات مواد خاماً وأولية 80% منها نفط ومشتقاته، بينما نحو 90%
من المستوردات هي مواد مصنعة ونصف مصنعة. وفي العام 2003 بلغ متوسط قيمة طن
الصادرات 10087 ليرة سورية (نحو 200 دولار) أما متوسط قيمة طن الواردات فبلغ
22300 ليرة سورية (نحو 446 دولاراً). وتقدم منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى
GAFTA مؤشراً سلبياً على قدرة الاقتصاد السوري على الانتفاع من الانفتاح، اذ
ازدادت واردات سوريا من البلدان العريبة اكثر مما ازدادت صادراتها اليها.
من خلال تتبع مجموع المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية منذ الثمانينات وحتى
اليوم، يلاحظ تراجع مستمر في المؤشرات. اذ تتراجع الاستثمارات، وتتراجع انتاجية
الاستثمار، وانتاجية قوة العمل، وترتفع معدلات البطالة، ومعدلات الفساد،
وتتراجع كفاية الجهاز الحكومي، وتتراجع قدرته على تطبيق السياسات وتنفيذ
القرارات، ويتراجع مستوى التعليم الحكومي، وخصوصاً الجامعي، وتتراجع الصادرات
الصناعية، والقدرة التنافسية للاقتصاد، ومؤشرات التنمية الاجتماعية لسوريا في
تقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة. ومن المؤشرات ذات الدلالة ان بعض
الدراسات تشير الى تراجع معدلات الاستثمار، وتراجع الانتاجية الجدية لرأس المال
من 45% بين عامي 1990 و1996 الى 16% بين عامي 1997 و2002، مما يعني الحاجة
لمضاعفة الاستثمارات لتحقيق معدل النمو نفسه. كما ان قطاعي النفط والزراعة كانا
يشكلان مطلع التسعينات أقل من 40% من الناتج المحلي، بينما يشكلان اليوم نحو
50%. أي ان الطابع الريعي للاقتصاد السوري هو في تزايد، بينما التوجه العالمي
هو تزايد حصة قطاعات الاقتصاد الحديث التي تقوم على المعرفة.
هذه الأوضاع، ان استمرت، لن تساعد الاقتصاد السوري على الانتفاع من الفرص التي
تتيحها الشراكة، مما يبقي التخوف قائماً، بان تتحقق الآثار السلبية المحتملة
للشراكة دون تحقق الآثار الايجابية المحتملة، والتي لا تتحقق أوتوماتيكياً، بل
تحتاج لاصلاح اقتصادي وسياسي، ولوعي ولمعرفة من الجانب السوري، ولجهود سورية
حثيثة لتحضير الشروط التي تساعد في تحقيق فرص الشراكة الموجبة.
المشكلة، سواء في الشراكة السورية الأوروبية، او اتفاقات مناطق التجارة الحرة
مع البلدان العربية، او الانضمام لمنظمة التجارة العالمية، انها كلها ستكشف
الاقتصاد السوري أمام الاقتصاد العالمي بعدما فقد الكثير من قدراته على التعامل
مع اقتصاد مفتوح، بعد أربعة عقود من الاقتصاد المركزي الموجه بالتخطيط المركزي
والقرارات الادارية والدور التدخلي الكبير للدولة، ودون وضع استراتيجية متكاملة
مدروسة للاصلاح والانفتاح والانتقال من الاقتصاد المركزي الى اقتصاد السوق.
فالاقتصاد السوري سيوسع من تعامله مع اقتصاد السوق العالمية دون ان يملك بنية
متكاملة لاقتصاد السوق التشريعية والتنظيمية والمؤسسية. ومن جهةأخرى ما زال
العمل بطيئاً لاستكمال هذه البنية.
من هنا تأتي أهمية الشراكة، فسوريا بحاجة الى شريك فوري، وفي الوقت نفسه له
مصلحة في تنمية الاقتصاد السوري الذي يملك طاقة جدية تدار على نحو غير كفي،
وتحتاج لمناخات جديدة لتحويلها امكانيات حقيقية في يد سوريا حكومة ومجتمعاً. |