| صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية | www.ssnps.jeeran.com |
|
في معنى السلطة مدخل إلى فلسفة الأمر |
|
|
إعداد د. طلال العبدالله |
|
|
" التحديد شرط للوضوح" قاعدة أساسية لا بد منها لوضوح الفهم لدى المتخاطبين ، لذا أراني مضطراً للبدء بالتحديد . السلطة بمعناها العام هي : " الحق في الأمر." ولأنها كذلك فهي تستلزم آمراً ومأموراً وأمراً…. آمراً : له الحق في إصدار أمر إلى المأمور … ومأموراً عليه واجب الطاعة للآمر ، وتنفيذ الأمر الموجه إليه. إنها إذاً علاقة بين طرفين متراضيين مقومها الحق-الواجب. فإذا كان هذا الاعتراف تاماً ومتبادلاً استقامت السلطة كعلاقة أمر مشروعة. وحصول أي خلل من جهة الآمر أو الأمر أو المأمور فإن هذه العلاقة تتعرض للوهن والتصدع وقد تؤدي إلى الانهيار. والسلطة هي غير التسلط، وغير السلطان كما أنها تختلف تماماً عن السيطرة. التسلط : هو انتحال للحق في الأمر من دون تبرير، أو من دون تبرير كافٍ ومقبول، أو هو تجاوز لحدود الحق في الأمر. وإذا كان من السهل نظرياً إدراك الفارق بين السلطة والتسلط فمن العسير عملياً الحفاظ على السلطة خالصة من كل أشكال التسلط. السلطان: هو القدرة الفعلية على التأثير في النفوس من دون إلتزام معين، بحيث تصبح مطيعة لما يأتيها في العقل أو في الوجدان أو في العاطفة. هنا لا توجد علاقة الأمر-الطاعة القائمة على الحق-الواجب ، بل علاقة الأمر القائمة على التأثير الفعلي النابع من قوة الشخصية وسحرها أو من حدة الذكاء، أو علو الجاه أو من بهاء الفضيلة. ولا يوجد تعارض بين السلطة والسلطان. فإما أن تكون السلطة مقترنة بسلطان أو لا تكون. كما ينبغي تمييز بين التسلطن والتسلط . التسلطن كالتسلط هو فعل تجاوز واستغلال واصطناع مقصود. فالمتسلطن هو من يحاول استخدام سلطانه لترسيخ دونية من له سلطان عليه واستغلاله في سبيل مصلحته. لذلك يقع نوع من الترادف بين التسلطن والسيطرة. أما السيطرة فهي الإخضاع المفروض بالقوة ، وتسخير الأضعف لأغراض الأقوى . إنها علاقة أمر وطاعة بين طرفين متغالبين يسعى أحدهما إلى فرض إرادته على الآخر فرضاً وحمله على تنفيذ أمره بالقوة الجبرية. نستنتج مما ورد أن الشرعية هي صفة من ماهية السلطة ، والشرعية لا تضاف إلى السلطة كصفة ممكنة بل تتميز كصفة ملازمة لها . فمن أين يأتي لصاحب السلطة الحق في الأمر؟ وما هو الميدان والمدى الذي يمارس فيه هذا الحق ؟ للإجابة يجب البحث في مصادر السلطة. إن التفكير في مصادر السلطة فرع من التفكير في مصادر الحق لأن السلطة حق . ولكنه أيضاً فرع من التفكير في مصادر الأمر لأن السلطة نوع من أنواع الأمر. والأمر المقصود في فلسفة السلطة هو الأمر الصادر عن حق فيه أي الأمر المشروع. وذلك مقابل الأمر المفروض الذي يجري التركيز عليه في فلسفة السيطرة . إن السلطة علاقة ملازمة لوجود الإنسان منذ الولادة حتى الموت يمارسها آمراً أم مأموراً في مختلف ميادين حياته. فالبحث الصحيح عن مصادر السلطة يقتضي تقصيه ضمن الوجود الإنساني أي في واقع العلاقات الاجتماعية الإنسانية. فاجتماعية الإنسان صفة ملازمة لوجوده ، بل هي مقوم أساسي من مقوماته، وحيثما وجدنا الإنسان في أي حقبة اجتماعية تاريخية وجدناه في حالة اجتماعية. فالمجتمع هو الحالة والمكان الطبيعيان الضروريان لحياة الإنسان وارتقائها. والفرد يعيش هويته كفرد ويبلغ أقصى درجات التفرد وهو محكوم بوضع اجتماعي معين يتفاعل من خلاله مع غيره من الأفراد بوصفهم جميعاً أفراداً اجتماعيين.. وليست الاجتماعية علاقات بين أفراد ، بل هي روابط حياتية موضوعية تفرض نفسها على الأفراد فتتشكل وحدات اجتماعية ومن ثم مجتمعات تامة . ليس الفرد قبل المجتمع فالوجود الإنساني منذ البدء كان جماعات وبروز الشخصية الفردية في الجماعة كان مرحلة حاسمة في تاريخ التطور البشري الاجتماعي، لكنها هي بحد ذاتها وليدة وجود الأفراد كجماعات . فالفرد ليس قبل المجتمع ، وليس المجتمع لاغياً للفرد.. الفرد يأمر نفسه وأمره لنفسه وجه من وجوه وجوده الاجتماعي. بدون هذه الاجتماعية لا يمكن تأسيس السلطة بين الناس تأسيساً صحيحاً فالفرد كائن كامل الصفات الإنسانية ولكنه ليس الإنسان بالمعنى الكامل للكلمة. لذلك ينبغي إعادة نظرية السلطة بدءاً بنظرية مصادرها انطلاقاً من اجتماعية الإنسان الطبيعية ، ومن نظرة إلى الطبيعة الإنسانية تستوعب المساواة والحرية من دون إهمال للصفات الأساسية الأحرى التي تتألف منها الطبيعة الإنسانية. إن أشد الناس نقداً للسلطة الطبيعية لا يستطيع إنكار سلطة طبيعية واحدة على الأقل وهي سلطة الفرد على نفسه ، فهو غي هذه الحال الآمر والمأمور معاً ... فمن أين تأتي مشروعية الأمر الذي يمارسه الفرد على نفسه؟ تأتي من طبيعة كيانه الذي يحمل نزوعاً إلى الاستقلال وقدرة على التصرف بقواه الذاتية في الشؤون الخاصة به (السيادة الذاتية) .. وكما يحق بالطبيعة للفرد الإنساني المتعين والقائم بنفسه أن يأمر نفسه ، يحق بالطبيعة للمجتمع المتعين والقائم بنفسه الواعي لذاته أن يأمر ذاته. أما في حالة عدم الرشد فلا بد من سلطة تقود الفرد الإنساني من حالة القصور إلى حالة البلوغ والرشد التام، ويجب أن تكون هذه السلطة طبيعية وهي سلطة الوالدين على الأولاد، والعلة الأولى لسلطة الوالدين على الأولاد هي حاجة الأولاد لمساعدة آبائهم في الحفاظ على حياتهم ونموهم وتربيتهم ليصبحوا قادرين على تأمين معيشتهم وتدبير شؤونهم الخاصة وهو في الوقت نفسه واجب الآباء تجاه أولادهم . إن واجب الطاعة على الطفل نفسه هو حق الأمر للوالدين عليه. فسلطة الوالدين على الأولاد هي سلطة مشروطة ومحددة ومؤقتة. مشروطة بقيامهم بواجب العناية والرعاية والتربية حسب إمكاناتهم. ومحدودة بنطاق ما يلزم لكي يتمكن الطفل من ممارسة حقوقه الطبيعية بنفسه . ومؤقتة لأن الطفل عندما يبلغ سن الرشد التام يصبح مثل والديه تماماً كائناً عاقلاً حراً قادراً مساوياً لغيره من الراشدين في ممارسة حياته بصورة تامة . فإذا تخلى الوالدان عن خدمة الأولاد مادياً ونفسياً وتربوياً واجتماعياً، أو إذا تجاوزوا حدود مسؤولياتهم بانتهاك حقوق أولادهم الطبيعية فإن سلطتهم عليهم تسقط . عندها ينبغي أن يتدخل المجتمع لتأمين الحماية والرعاية اللازمتين. السلطة في العائلة: هي التجربة الأغنى والأعمق تأثيراً بين تجارب السلطة التي يعيشها الإنسان . ففيها تتجلى الطبيعة مصدراً للسلطة بصورة قاطعة .. وفيها تظهر غائية السلطة وحدودها وتشوهاتها بصورة واضحة……ومنها يستمد الطفل النمط الذي يمارس به السلطة راشداً … فالعائلة هي المؤسسة الأساسية للتناسل والمؤسسة الأساسية أيضاً لممارسة السلطة. حقيقة لا يمكن فصل سلطة الوالدين على أولادهم عن سلطة المجتمع على نفسه وبالتالي على الأطفال الذين يولدون فيه. يشترك الوالدان في سلطة واحدة على أولادهما ، لأن الطبيعة تجعل الأب والأم شريكين كاملين في الإنجاب ، ومسؤولين معاً عن نتائج الاقتران بينهما …. والسلطة الوالدية هي سلطة واحدة يمارسها شخصان رجل وامرأة بالطبيعة ،وإذا مات أحدهما أو غاب لأي سبب فإن الآخر يمارسها كاملة على الأولاد وحده أو مستعيناً بمن يستحسن النظام الاجتماعي الاستعانة به … فالأب له سلطة على الأولاد مع الأم والأم لها سلطة على الأولاد مع الأب… وهذا ما يوجب التنسيق في السلطة الوالدية … ولما كان الاختلاف بين الأب والأم سواء في إدراك الأمور أو في تقدير المواقف الضرورية منها قد يبلغ حداً خطيراً ينعكس سلباً على وحدة الحياة العائلية وعلى صحة الأولاد الجسدية والنفسية إذا استمر الخلاف بدون حسم … فقد وجب إسناد القرار الأخير إلى أحد الوالدين… ومن هذه الحقيقة تنطلق نظرية السلطة الأبوية ليس فقط إلى الاعتراف للأب بحق القرار الأخير لأنه "الأحذق والأقوى" على حد تعبير جان لوك ،بل إلى حصر السلطة الوالدية كلها في شخص الأب . إن القول بسلطة عليا في العائلة لا يؤدي بالضرورة إلى تكريس مطلق للسلطة الأبوية ، وإذا اعتبرنا "الحذق والقوة" مصدراً كامناً لسلطة أحد الوالدين على الآخر وقعنا في حالة الالتباس بين السلطة والسيطرة …. لأن القوة وحدها لا تؤسس لحق الأمر بين الأفراد الراشدين ، والرجل والمرأة لا يختلفان طبيعياً فيما بينهما كما يختلفان عن الأولاد… لذلك يجب التمييز بين السلطة العليا في العائلة وهي سلطة أحد الوالدين على العائلة كلها وسلطة الرجل على امرأته… فالسلطة الأولى(السلطة الوالدية) صادرة عن الطبيعة ، الطبيعة البيولوجية والنفسية التي تجعل الأولاد في عهدة الوالدين…. والطبيعة الاجتماعية التي تفرض أن تكون وحدة المتحد العائلي مرتبطة بأحادية السلطة النهائية فيها. أما السلطة الثانية(سلطة الرجل على امرأته أو بالعكس) فإنها لا تصدر عن الطبيعة لأنه ليس في الطبيعة ما يدل على أن المرأة كائن عاجز وقاصر عن ممارسة السلطة على نفسه. إن قضية ضعف المرأة ودونيتها هي نتاج وضع ثقافي تاريخي تكون مع نشوء المجتمع الأبوي وهو يتبع تطور هذا المجتمع . لذلك ليس من مصدر لسلطة الرجل على زوجته أو لسلطة المرأة على رجلها سوى عقد الزواج نفسه الذي يحدث في إطار مفاهيم وقواعد وتقاليد تاريخية معينة لتلبية حاجة طبيعية بيولوجية واجتماعية ونفسية. إن التعاقد بين الرجل والمرأة على الاتحاد والعيش معاً بدافع الحب أو المصلحة أو كليهما يستلزم تحديداً إجماليا للحقوق والواجبات المتبادلة بينهما واتفاقاً على تدبير شؤونهما المشتركة، وتعييناً لصاحب السلطة والقرار الأخير على وجه العموم أو بحسب كل شأن… وهذا لا يتعارض مع ما يتطلبه العيش المشترك بينهما من تفاهم وتعاون وتضحية… وفي الواقع فإن صاحب السلطة النهائية في المتحد العائلي لا يمارس سلطته هذه بمعزل عن سلطان شريك حياته أو بمعزل عن سلطان شريكه عليه بعيداً عن التسلط والسيطرة. إن سلطة الوالدين على الأولاد تشمل بالطبع الميدان التربوي، إلا أن هذا الميدان أوسع من طاقة الوالدين لتحقيق متطلبات المجتمع، لذلك لا بد لهما من الاستعانة بمن هو أهل لتربية الأطفال ثقافياً واجتماعياً… والمعلم ليس أكثر من وسيط مؤهل بين الأطفال من جهة والوالدين والمجتمع من جهة أخرى… ولكنه وسيط ذو سلطة. فمن أين تأتي سلطة المعلم على الأطفال التلاميذ؟ بالطبع لا تأتي من الطبيعة ، فلا يوجد تعليل طبيعي يخول المعلم حق الأمر على أطفال غير أطفاله ويوجب علتهم الطاعة له… ولا تأتي سلطته من التعاقد فالطفل ليس صاحب أهلية للتعاقد. فعندما يرسل الوالدان طفلهما إلى المعلم يكون هذا تفويضاً من الوالدين إلى المعلم لكي يقوم بجزء من العمل التربوي المترتب عليهما . فالتفويض هو مصدر سلطة المعلم على الأطفال . ولولا وجود سلطة طبيعية للوالدين (أو للمجتمع) على الأولاد لما أمكن قيام سلطة تفويضية عليهم… فمصادر السلطة في عالم الإنسان هي ثلاثة 1- الطبيعة ، 2- التعاقد ، 3- التفويض … وهذه المصادر هي ما يجعل الأمر فعلاً مشروعاً بين البشر . الطبيعة كمصدر للسلطة: الطبيعة هي المصدر الأول للسلطة، إذ لا يصح التعاقد على السلطة أو التفويض عليها إلا بين من يتمتعون بالسلطة الطبيعية على أنفسهم … والطبيعة هي مصدر للسلطة في ثلاث حالات : 1- حالة علاقة الفرد الراشد مع نفسه ، 2- حالة علاقة الوالدين أو المجتمع مع الأطفال ، 3- حالة علاقة المجتمع المستقل مع نفسه . لاستيعاب ظاهرة السلطة في الوجود الإنساني يجب الانطلاق من الأسئلة الخمسة التي يمكن طرحها عن علاقة الأمر : 1- من يأمر من؟ 2- ما هو ميدان الأمر أو مضمونه؟ 3- ما هي حدوده؟ 4- ما هي مدته ؟ 5- ما هي كيفيته أو أسلوبيته؟ هذه الأسئلة تنطوي على معايير يؤدي استخدامها إلى تصنيفات عدة لأنواع السلطة البشرية . فمن هو الحاكم ؟ نعني بالحاكم ليس رئيس الدولة فقط ولا الحكومة بمعناها الواسع بل نعني به جملة الأفراد الذين يتولون الأمر والنهي في الدولة أياً كانت صلاحياتهم ( الجسم الحاكم ) والمجتمع السياسي أو الدولة هي الجملة المتألفة من الحكام والشعب . يقال إن الحاكم هو الراعي وإن المحكومين هم الرعية : هنا الحاكم والمحكوم مختلفان في الطبيعة ، أو على الأقل متفاوتان في الإنسانية بصورة جوهرية وبالتالي فإن مصدر السلطة للحاكم على المحكوم هو الطبيعة نفسها … فالفارق بين الحاكم والمحكوم طبيعي كالفارق بين الراعي والقطيع ، فالطبيعة تقضي أن يقود الراعي قطيعه وبأن يستجيب القطيع إلى راعيه ويتبعه ، كذلك فالطبيعة تقضي بأن يقود الحاكم شعبه أي رعيته ويتصرف به ، وبأن يطيع الشعب حاكمه أي راعيه ويتبعه . صحيح أن الراعي يعمل على مصلحة قطيعه ويمنع الأذى والعدوان عنه لكن الراعي في النهاية لا يبحث إلا عن مصلحته ومصير القطيع لا يتعدى عنده سوى منفعته وتنمية قوته ولا قطيع بدون راع والراعي يعرف قطيعه ولا يعرف القطيع شيئاً مما يعرفه الراعي ، فالعلاقة بين الحاكم والمحكوم هنا ليست أكثر من علاقة بين مالك ومملوك وهذا تبرير خطير لسلطة الحاكم وبسطها على شعبه … فالحقيقة الإنسانية لا تختلف في الحاكم عما هي في المحكوم لأن كليهما إنسان ، لذلك فإن الحاكم لا يستمد سلطته على الشعب من الطبيعة ولا يمكن أن يتصف الحاكم بما يتصف به الراعي بالنسبة إلى قطيعه . ثم تأتي صورة الأب أي الحاكم الأب أو القائد الأب في طليعة الصور لتشكل النموذج المنشود ، فبقدر ما يعتبر الحاكم أباً كصاحب سلطة في الحياة المجتمعية يتم التماهي معه لتحويل الجماعة أو ( الشعب ) إلى عائلة كبيرة واسعة …. والحاكم في الدولة يرتاح أشد الارتياح إلى التماهي مع الأب في العائلة …. فصورة الأب تحمل جملة صفات جذابة تعزز طاعة الشعب وانقياده كالقوة والهيبة والحماية والعطف والعطاء والمحبة والصرامة أيضاً . وتوحي هذه السلطة في العمق بأن سلطة الحاكم كسلطة الأب سلطة طبيعية ، وأن الشعب المحكوم قاصر طبيعياً كقصور الأبناء في العائلة . إن صورة الراعي والأب كصورتين للحاكم جسدتها بشكل واضح السلطة الكلية الاستبدادية ( التوتاليتاريه) في سلطة الحاكم السياسي : يعرفها الدكتور ناصيف نصار بقوله : هي ( الحق المؤيد بالقوة في وضع الشرائع وتنفيذها وفي رسم الخطط وتطبيقها من أجل توفير الأمن والسعادة وإقامة النظام العام وتدبير الخير العام المشترك وإنماء القدرات والمواهب تحقيقاً للشرط الاجتماعي للسعادة الدنيوية الممكنة لأعضاء شعب معين ) . ولأن السلطة حق مدعوم بالقوة أضف إلى أنها متنوعة الوظائف فكان لا بد من فصل السلطات السياسية العليا والتأكيد على توازنها وتكاملها في محاولة لترتيب وضع القوة في الحكم السياسي بحيث يمتنع قدر الإمكان الاندماج بين الحق والقوة في بنية هذا الحكم . إن سلطة الحاكم السياسي واحدة لكنها مثلثة الوظائف ( تشريعية ، قضائية ، تنفيذية ) غير أن القوة في السلطة واللازمة لها تلحق بها كسلطة إجرائية تنفيذية أكثر مما تلحق بها كسلطة تشريعية وقضائية ، لذلك يستتبع فصل السلطات وضع القوة في تصرف السلطة التنفيذية ضماناً لسيادة الحق . سلطة الحاكم وسلطة الدولة : الحاكم يكون صاحب سلطة سياسية لأنه يتولى الحكم بحسب أحكام الدستور القائم في الدولة . وفي نظام الحكم الثوري تتحدد الشرعية السياسية كشرعية ثورية بمعنى أن الحاكم يستمد سلطته السياسية من إرادة الثورة على النظام السابق ومن الأيديولوجيا المبررة والموجهة لهذه الإرادة . إن العقيدة السياسية أو الأيديولوجيا لا تنظر إلى السلطة من زاوية الطبيعة الإنسانية العامة وانوع الإنساني وإنما تنظر إليه من زاوية جماعة معينة في المجتمع . فالخاص في العقيدة السياسية يتقدم على الإنساني العام أو المجتمعي العام ويستخدمه لأغراضه . إن ما يجعل سلطة الحاكم سلطة حقه كونها مشتقة من طبيعة الأشياء ومطروحة من وجهة الطبيعة الإنسانية الاجتماعية لا من وجهة هذه أو تلك من التجارب التاريخية المختارة . فالمصدر الأساسي للسلطة يجب أن يكون واحداً من المصادر الأصلية للسلطة في دنيا الإنسان وهي : 1- الطبيعة . 2- التعاقد . 3- التفويض . ليست الطبيعة مصدراً لسلطة الحاكم في الدولة كما أوضحنا سابقاً فهل يكون التعاقد ؟ التعاقد الصحيح يتم بين فريقين مستقلين الواحد عن الآخر وقادرين على تبادل الالتزام والمنفعة بحسب شروط محددة ولفترة زمنية معينة …. هكذا التعاقد على البيع أو النشر والتوزيع أو التعاقد على التطبيب في عقد البيع يوجد بائع ومشتري وسلعة تباع وثمن مادي يدفع بدلاً من الشيء المشترى . وفي عقد النشر : يوجد مؤلف وناشر يتفقان على طبع كتاب وتوزيعه ويتقاسمان التكاليف والعائدات لمدة معلومة . وفي التطبيب : يوجد طبيب ومريض وخدمة طبية ومبلغ من المال لقاء هذه الخدمة . فهل تنشأ علاقة الحكم القائمة على التراضي كما تنشأ علاقة البيع أو علاقة النشر أو علاقة التطبيب ؟ وهل يوجد الحاكم قبل أن يصبح حاكماً على غرار ما يوجد الطبيب بالنسبة إلى المريض أو الناشر بالنسبة إلى الكاتب ؟ بالطبع لا . لأن الحاكم قبل أن يصبح حاكماً ليس سوى فرد من الشعب لا يتمتع بمقدرة خاصة تؤهله مسبقاً لكي يطرح نفسه حاكماً على الشعب كما يطرح الطبيب نفسه على المريض مثلاً …. فمن هو الذي يمتلك القدرة المسبقة على وضع الشرائع ورسم الخطط وتنفيذها في ميدان تأمين الأمن للشعب وإقامة النظام العام وتدبير الخير العام المشترك وإنماء المصالح لعموم الشعب حتى يدخل الشعب برضاه في عقد أمر وطاعة معه لفترة زمنية محددة ؟ إن القوة اللازمة لتوفير الأمن الداخلي وحماية الوطن ليست في النهاية قوة الحاكم نفسه وإنما هي قوة الشعب أو قوة محترفة لجماعة من الشعب ( الشرطة ، الأمن ، الجيش ) والقدرة اللازمة لضبط وتنظيم العلاقات بين أفراد الشعب وفئاته محكومة بمدى استعداد الشعب للانتظام والاستجابة لضرورات العمل في أنظمة تطاوعه وتناسبه …. والسعي في تدبير الخير العام المشترك وإنماء المصالح العامة والخاصة مرهون بمدى حيوية الشعب المنتجة وسويته الثقافية المادية والروحية القادرة على توليد المصالح الجديدة فالشعب هو الذي ينتج المنافع والخدمات لنفسه بواسطة الحاكم . فالشعب إذن لا يتعاقد مع الحاكم للحصول على تلك الخدمات والمنافع . كما يتبين لنا أيضاً الخطأ الكبير في ترجمة إقامة علاقة الحكم بين الشعب والحاكم بلغة المبايعة . إن مفهوم المبايعة : يقوم على اعتبار مفهوم الحكم سلعة وأن الحصول على الحكم يتم بالتراضي والتبادل بين فريق يطرح نفسه حاكماً وفريق يقبل أن يكون محكوماً من قبل الفريق الأول وباعتبار الحكم كالسلعة فإن الحاصل عليه يعتبر نفسه مالكاً له . فالمبايعة هي شكل من أشكال الملك . وإذا افترضنا جدلاً أن الحكم سلعة أو كالسلعة فماذا يدفع طالبه للشعب غير ما يمتلكه الشعب في الأصل ؟ المال ؟ هو المال المجتمع …. الأمان ؟ يتحمل الشعب نفقاته …. النمو والازدهار ؟ هو حصيلة جهود مجمل أبناء المجتمع وبالطبع للحاكم دور مهم في ذلك إلا أن الدور الأساسي للشعب المنتج بعمله . إن عملية تسلم الحاكم للحكم في الدولة بمنطق الحق لا بمنطق الاستيلاء على الأشياء ليست من الطبيعة ولا المبايعة ولا التعاقد وإنما هي تفويض فقط . ما هو التفويض : يستلزم التفويض وجود صاحب تفويض ومفوض إليه ، وحقاً ينتقل من صاحبه إلى المفوض إليه ولمدة محدودة . هنا صاحب التفويض لا يستطيع أن يعطي المفوض إليه أكثر مما له من حق أو صلاحية، والمفوض إليه مسؤول أمام صاحب التفويض…. وعندما يكون الموضوع الحق في الأمر أي السلطة يقابله واجب الطاعة فإن صاحب التفويض ينبغي أن يكون صاحب هذا الحق بالطبيعة . ماذا يعني التفويض في السلطة السياسية ؟ يعني أن الحاكم يتسلم سلطته من الصاحب الحقيقي لهذه السلطة ، وأنه مسؤول أمامه في إطار الشروط والحدود التي ينطوي عليها التفويض. من هو الصاحب الطبيعي للسلطة السياسية؟ ولماذا يقوم بفعل التفويض؟ إن الصاحب الطبيعي للسلطة السياسية في الدولة هو الدولة نفسها . ما هي الدولة ؟ الدولة هي المجتمع السياسي المستقل قبل أن ينقسم إلى حاكم وشعب ، وبوصفها كذلك فهي تمتلك شخصية تسمح لها بأن تشير إلى نفسها " بأنا" التي تتضمن ال"نحن" المجتمعية، كما يشير الفرد إلى نفسه "بأنا" ، وبأن تتعامل مع غيرها من الدول كما يتعامل الفرد مع غيره من الأفراد ، لذلك فإن الدولة تتمتع بسلطة طبيعية على نفسها ….. أي أن لها الحق الطبيعي في أن تأمر نفسها وتتصرف في شؤونها الخاصة دون الرجوع إلى إرادة غيرها (المجتمع المستقل هو صاحب السلطة على نفسه) . ولكن كيف يتحقق حكم المجتمع لنفسه عن حق؟ إن السلطة في الدولة هي سلطتان ، سلطة الدولة وسلطة الحاكم . فسلطة الدولة هي الأصل أو الجوهر وسلطة الحاكم هي الفرع أو المظهر، لأن سلطة الدولة تتقدم على سلطة الحاكم في الحق والوجود. لذلك فإن سلطة الحاكم هي سلطة تفويضية مستمدة من سلطة الدولة وراجعة إليها . بما أن السلطة حق طبيعي للدولة فإن تفويض الحق لا يعني التنازل عنه لذلك لا يجوز تفويض سلطة الدولة إلى الحاكم تفويضاً مطلقاً وكلياً لأن هذا يعني التنازل الكلي والمطلق عن الحقوق. ولهذا السبب فإن لكل دولة عصرية دستور يحدد النظام القائم فيها ، وما ينتقل وما لا ينتقل إلى الحاكم من صلاحيات ، ويحدد كيفية انتقاله ومدته ، ومسؤولية الحاكم في ممارسة السلطة المفوضة إليه، وكيفية مراقبته ومحاسبته على أعماله وطريقة إقالته إذا دعت الحاجة . في حدود السلطة السياسية: لا سلطة مطلقة إلا للكائن المطلق فكل سلطة إنسانية نسبية ومحدودة ونفي الإطلاق لا يعني نفي التمام . وبما أن السلطة السياسية هي سلطة دولة أولاً ومن ثم سلطة حاكم ثانياً فقد وجب نظم حدودٍ لسلطة الدولة وحدودٍ لسلطة الحاكم …. فلسلطة الحاكم حدوداً تخصها في علاقتها بسلطة الدولة ، وفي علاقتها بالشعب . إن أجهزة الدولة ومؤسساتها هي إدارات في خدمة إرادة المجتمع ومصالحه لذلك يتحتم على القائمين على المؤسسات التمييز بين وجودهم الخاص ووجودهم في المؤسسة . كما يتحتم عليهم التمييز بين وجود المؤسسة كمؤسسة لها وظيفة معينة وبين وجودها في الدولة ،التي هي أم جميع المؤسسات العامة والخاصة ومرجعها . فالأفراد يأتون ويذهبون والمؤسسات تستمر… تتغير المؤسسات وتتبدل وتتطور وتنشأ مؤسسات جديدة لكن الدولة تبقى ، لذلك لا يحق للحاكم ولا لمؤسسة أو لجهاز تابع لسلطة الحاكم في الدولة أن يقول أنه الدولة …. كذلك لا يحق للحاكم احتكار النشاط السياسي في المجتمع… فواجب الطاعة على الشعب لا يعني أنه لا يشارك في الحياة السياسية . إن الاهتمام بالشأن العام مباح لجميع أفراد المجتمع السياسي الراشدين، باعتبارهم أفراداً أحراراً، ولا يحق لأحد أو لمجموعة أو لمؤسسة الإدعاء بحصر هذا الاهتمام بها وحدها نيابة عن الشعب. إن الاهتمام بالشأن العام هو واجب كل فرد راشد من أفراد المجتمع، لأن الشأن العام جزء من الوجود الاجتماعي لكل فرد من أفراد المجتمع السياسي ولا يستطيع الفرد تدبر شؤونه الخاصة إلا في وضعية تفاعل أفراد المجتمع بالشأن العام ، لذلك وجب الاعتراف والإقرار بأن الاختلاف والتنوع في الرأي ظاهرة طبيعية في حياة المجتمع المستقل . والمشكلة الحقيقية التي يواجهها كل مجتمع سياسي مستقل هي مشكلة : حرية الرأي والتعبير وحرية التفكير والمبادرة السياسية . وإن معالجة هذه المسألة تنطلق من الاعتراف بمشروعية التنوع وبالتالي بمشروعية المعارضة . إن التفسير الصحيح لتفويض سلطة الدولة إلى الحاكم يشتمل على مبدأ مشروعية المعارضة … وفي الحقيقة لا يمكن شرعنة المعارضة إلا بمقدار ما ينتصر منطق السلطة على منطق السيطرة في الحكم … ففي منطق السلطة ليس المعارض خائناً أو متآمراً أو عميلاً بالضرورة لأنه عضو في الدولة خاضع لقوانينها وأعرافها عامل لمصلحتها. إن منطق السلطة لا يستبعد بل يقرر وجود المعارضة ……… ما يستبعده منطق السلطة العصيان و التمرد و أعمال العنف . إن واجب السلطة السياسية صيانة الحقوق الطبيعية للأفراد الواقعين تحت أمرتها و تحسينها و ترقيتها و تنميتها في حياة الشعب , و تنظيم العلاقات في ما بينها حتى لا ينمو حق على حساب حق أخر . فمسؤولية الدولة تجاه الحقوق الطبيعية لأعضائها مسؤولية مزدوجة فهي من جهة احترام و من جهة أخرى التزام . خدمات السلطة السياسية:إن فعل السلطة هو فعل قيادة لكنه أيضاً فعل خدمة . فالقيادة و الخدمة وجهان متلازمان لفعل السلطة و يمكن القول بأن القيادة في السلطة تستلزم الخدمة , و الخدمة في السلطة تستلزم القيادة . إن القول بأن الحاكم خادم يعني بداهة أن الشعب مخدوم و أن الشعب سيد و منه نستنتج أن صورة الحاكم السيد المخدوم تنسجم مع حكم السيطرة و ليس مع حكم السلطة ……. فكيف يكون الحاكم قائد و خادماً , ويكون الشعب في الوقت نفسه سيداً مخدوماً و مطيعاً ؟ إن حل هذه الإشكالية يقتضي العودة إلى مفهوم السيادة كصفة من صفات السلطة السياسية … فالسيادة هنا هي سيادة المجتمع السياسي المستقل على نفسه .وعندما ينقسم هذا المجتمع إلى شعب و حاكم فإن السيادة لا تنقسم و لا تنحصر في الحاكم المفوض وإنما تبقى كاملة في المجتمع السياسي المستقل بنفسه .و يشارك في هذه السيادة الشعب و الحاكم على نسبة مشاركة كل منهما في سلطة المجتمع على نفسه … فلشعب يمارس سيادته بالتلقي و المراقبة و المحاسبة و يمارسها على سبيل الفعل و المبادرة . تحدد خدمات السلطة منطقياً بأهدافها و بالوسائل الضرورية لتحقيق هذه الأهداف و هي : 1 ـ خدمات أمنية . 2 ـ خدمات تنظيمية . 3 ـ خدمات تدبيرية . 4 ـ خدمات إنمائية . وتلعب المؤسسات الإدارية الدور الفعلي الرابط والمحرك بين السلطة السياسية ومؤسسات الدولة بقطاعيها العام والخاص . ما المقصود بالإدارة : الإدارة هي مجمل المؤسسات والأجهزة التي تستخدمها السلطة السياسية من أجل القيام بأعمال الخدمات لمجموع الشعب وهي غير المؤسسات السياسية بالمعنى الحصري كرئاسة الدولة والبرلمان والحكومة . إن استحداث المؤسسات والأجهزة الإدارية لتلبية حاجات الشعب يولد مجموعة علاقات معقدة بين الحاكم والإدارة وبين الإدارة والشعب وبين الحاكم والشعب، فهي تعتبر جزءاً من مؤسسات السلطة السياسية وفي الوقت نفسه جزءاً من مؤسسات الشعب . فالسلطة الإدارية هي سلطة تابعة للسلطة السياسية ومستمدة منها بالتكليف . إن عقلانية السلطة السياسية من الناحية التنفيذية تظهر بمدى فعالية الإدارة التي تستحدثها للقيام بواجباتها الأمنية والتنظيمية والتدبيرية والإنمائية . فإذا ازداد التوسع الإداري وأصبح غير مضبوط وغير مشروط بأداء السلطة السياسية لواجباتها فإن ظاهرة غير طبيعية وغير سليمة من شأنها تعريض الدولة لمختلف أنواع الأزمات وأشكال الفساد . وهذا ما يوصل إلى ما يسمى بالبيروقراطية .
ملاحظة : هي حلقة كتاب ( منطق السلطة ) للدكتور ناصيف نصار . أعدت بشكل محاضرة و ألقيت في المركز الثقافي العربي في السقيلبية بتاريخ 18/05/2004
|
|
|
|
|
|
www.ssnps.jeeran.com |
|
|
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع |
|