صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                      www.ssnps.jeeran.com
 

النظام القومي الاجتماعي وحقائقه العلمية

كيف نتوصل الى إنتخابات ديموقراطية تعبيرية

 

هنري حاماتي


موضوعنا المحوري، في هذه المرحلة الفاصلة من تاريخنا، هو النظام القومي الإجتماعي، أو النظام الجديد الذي تعمل الحركة السورية القومية الإجتماعية لإقامته في مجتمعها.

ونعني بالنظام هنا نظام الأشكال: نظام مؤسسة الحزب/ الدولة، ونظام المؤسسات التي تتكون منها المؤسسة الكبرى.

نحن مدعوون - كلما توقفنا عند عتبة موضوعنا المحوري هذا، وقبل ولوجه - الى إعتبار تعريفنا للنظام، كمفهوم شامل: إنه نظام فكر ونظام نهج.. ثم هو نظام أشكال تحقق الفكر والنهج.

إحدى أبرز قواعد الفكر القومي الإجتماعي النقدية هي أن " المادة تقرر الشكل "، وتأسيساً على هذه القاعدة، الفكر والنهج قررا الأشكال.. فالأشكال / المؤسسات، لم تكن ما كانت، في فكر سعاده الدستوري، بلعبة عقلية مستقلة، منفصلة عن مجاري الفكر ومناحي النهج، بل كانت متولدة منها.

كل فكر إجتماعي سياسي يلد أشكاله/ مؤسساته، التي تحققه. وهكذا نظام الأشكال عندنا متولد من نظام الفكر ونظام النهج: الفكر، ما هو، رؤية مستمدة من معارف/حقائق... والنهج، ما هو محاور عمل قومي تتمثل فيها مقاصد الحركة وأغراضها.

وعند عتبة موضوعنا - النظام القومي الإجتماعي، النظام السياسي للحزب والدولة - وقبل ولوج هذا الموضوع الخطير، الذي كثرت فيه وحوله التأويلات والتفسيرات والإجتهادات... أدعو الى تمثل الحقائق التالية:

الحقيقة الأولى: هي أن سعاده هو ابن المدرسة العلمية، فهو يعتبر الحقائق العلمية، والحقائق وحدها، والحقائق دائما.. ولا يعتبر سواها.

فنحن مدعوون، في مذهبنا، الى إلتزام الحقائق، ما إنكشف منها للعقل البشري، وما سوف ينكشف.

ليس العقل - الذي قررنا في فلسفتنا أنه هو الشرع الأعلى - ما أفكره أنا أو ما تفكره أنت بالضرورة... بل هو مجمل مكتنزات الثقافة الإنسانية من المعارف والحقائق.. هو العقل الإنساني المسكوني، منظوراً إليه في كل مآتي الحضارة الإنسانية، وفي كل مكان... وهو، بعد هذا - العقليات الخاصة للمجتمعات الإنسانية المتمثلة في قدراتها الخاصة ومواهبها الخاصة.. وخططها النفسية.

فقولنا " العقل هو الشرع الأعلى "، يجب أن يعني لنا، أن سعاده هو صاحب إتجاه تأسيس عقليتنا المجتمعية على العارف والحقائق... لا أكثر ولا اقل..

الحقيقة الثانية: هي أن التطور هو الناموس العام للحياة الإنسانية، فالتغير قانون عام لا يحده حد. فمنهج تفكيرنا العقلاني يوجب علينا مشاهدة التطور في عوامله وظواهره، في كل وقائعه السالفة والحاضرة والمقبلة..

بل أن مهمتنا الأساسية هي المشاركة في صميم مغامرة الإنسان الكبرى، وإحداث التطوير، أياً كانت مقتضياته من التغيير، في إستمرار لا ينقطع.

كيف يحق لنا الزعم أننا نهضة تحقق تغييراً في مجمل حياتنا إذا كنا لا نقر أن الحياة تتطور، وإذا كنا لا نقبل منطق التغير؟

على أن التطور، من حيث هو حركة إنسانية الى الأمام، هو حركة تفترض قوى روحية، معرفية وقيمية، وقوى مادية، طبيعية ومنتجة...

التطور يفترض قوى واقعية تحققه.

الحقيقة الثالثة: هي أن الأوهام والخرافات والعقائد الباطلة والإقتناعات المترسبة في الوجدان العام والفاقدة كل أساس معرفي/علمي... لا يمكن أن تكون في عداد هذه القوى الدافعة الى الأمام، فلا يجوز إعتبارها في جملة القوى التي تحدث التطور والتغيير.. فهذه لا تلبث أن تسقط وتغيب عن مسرح الوجود الإنساني، وكالفقاعات تندثر... فإذا يبقى منها شيء في ذاكرة الجماعة آو خزانة التراث، فهي آثار لا فعل لها في الحاضر. بل تجد قيمتها للدارسين في كونها معالم ظواهر وجدانية، سابقة جاءت بها مرحلة من مراحل التطور، وذهبت بها مرحلة أخرى.

نعم، الأوهام والخرافات والعقائد الباطلة والإقتناعات الفاقدة كل أساس علمي، يكنسها ناموس التطور، ويجرفها قانون التغير... وما الحقائق، كل الحقائق، فثوابت لا تحول ولا تزول، بل تبقى هي أساس التطور، كما كانت أصلاً عامل التطور الإنساني الأكبر. وتبقى ثابتة داخل كل التغيرات الراهنة والمقبلة، تماماً كما كانت داخل التغيرات السالفة:

السرعة، مثلا، هي حقيقة علمية كونية يتراوح حجمها بين صفر السكون وسرعة الضوء.

ومن حيث هي كذلك، كان لها قياس ثابت هو حاصل قسمة المسافة على الوقت...

بعامل التطور تغيرت وسائط النقل في حياة البشر: الحمار، فالفرس، فالجمل، فالمركبة التي تجرها أحصنة عدة، فالسيارة، فالقطار، فالطائرة، فالصاروخ العابر القارات، فالمركبات الفضائية.. ولكن السرعة بقيت حقيقة علمية ثابتة، وبقي قياسها حقيقة عقلية ثابتة: حاصل قسمة المسافة على الوقت. فالحقائق الثابتة تلازم التغيرات الحاصلة من التطور...

الحقيقة الرابعة: هي أن علينا أن نميز بين الأوهام والحقائق! فإذا نحن شاهدنا تساقط الأوهام والاقتناعات الوهمية عبر التاريخ، جرفها التطور وأحلّ محلها إقتناعات جديدة. فإن هذا الناموس، منظوراً إليه نظرة سطحية من الخارج، لا يجيز لنا أن نستخلص أن كل اقتناع هو (فاسد في الزمان) ـ فاسد بالمعنى الفلسفي للعبارة ـ وان التغيّر هو حقيقة وجودية، ثابتة مطلقة: حقيقة عشوائية لا تميز بين الحقائق والأوهام! وأن لكل زمان حقائقه وإقتناعاته! فما كان حقيقة في الثلاثينات لن يبقى حقيقة إلى الأبد! فما التشبث بأفكار الثلاثينات سوى ضرب من الجمود والرجعة..

في القرون الوسطى، إكتشف الإنسان حقيقة كروية الأرض، الحقيقة التي كنّست كل الأوهام الدهرية السابقة وكل الإقتناعات الباطلة والمقدسة في شأن شكل الأرض.. فهل نتنكر اليوم لحقيقة كروية الأرض لمجرد أن هذه الحقيقة هي من إنتاج القرون الوسطى؟

يجب علينا تمحيص الإقتناعات الماثلة لنا في أشكال وعين الحاضر، بطريقة عقلية مجردة، في ضوء الحقائق العلمية الثابتة، وتمييز الإقتناعات الصحيحة المؤسسة على الحقائق العلمية الثابتة من الإقتناعات الفاسدة المؤسسة على الهوى، والوهم، والجهل، والنفع، وإسقاط هذه ولو كانت صناعة تريد الإنتساب الى الألف الثالث، وتثبيت تلك ولو كانت من إنتاج الثلاثينات.. لأن الحقائق هي عوامل التطور وثوابت التغيير، وأما الأوهام فإلى زوال..

الحقيقة الخامسة: هي أن النظام القومي الإجتماعي، ككل مبحث من مباحث الفكر القومي الإجتماعي، هو موضوع معرفة!

الفكر القومي الإجتماعي مرتب، ويحسن بكل مَن عزم على مقاربة الفكر القومي الإجتماعي أن يتعرف الى مراتبه، قبل إجتياز عتباته.

المرتبة الأولى: هي مرتبة الحقائق العلمية، أحدث الحقائق الفنية دائماً، تماماً كما جاء في مقدمة نشوء الأمم..

المرتبة الثانية: هي مرتبة منهج التفكير القومي الإجتماعي، أو أسلوب التعامل مع الحقائق: فلو نحن أوكلنا الى أربعة من فلاسفة التاريخ ـ أحدهم ماركسي والثاني ليبرالي، والثالث ديموقراطي إجتماعي، والرابع قومي إجتماعي.. أمر تحليل شريحة تاريخ معينة واحدة، ووضعنا بين أيديهم جميعا ألف حقيقة إقتصادية وإجتماعية وسياسية وفنية وجغرافية علمية من حقائق هذه الشريحة، فإن هؤلاء الفلاسفة سيخرجون إلينا حكماً بأربعة نتائج مختلفة إختلافاً جذرياً بسبب إختلاف المناهج الفلسفية التي إستخدموها في معاملتهم لهذه الحقائق..

المرتبة الثالثة: هي إذاً، مرتبة المذهب الإجتماعي السياسي المتولد من تعامل المنهج الفلسفي مع الحقائق العلمية.

المرتبة الرابعة: هي مرتبة الفعل التاريخي للمذهب في المجتمع: مرتبة تحققه العملي في المكان والزمان. والمذهب يقرر هو طريقة تحققه العملي ووسائط هذا التحقق، فهو، بإجابته على السؤال الإجتماعي: ما هي عوامل تطور الإجتماع البشري وتقدم الحضارة الى الأمام؟ يكون قد قدم ضمناً إجابته على السؤال السياسي: ما هي طريقة تطوير الإجتماع البشري ودفعه في مراقي الحضارة؟

في هذه المرتبة الرابعة تختلف الإجابات السياسية للفلاسفة (الماركسي، والليبرالي، والديموقراطي الإجتماعي، والقومي الإجتماعي) بعامل إختلاف إجاباتهم الإجتماعية الحاصلة من إختلاف مناهجهم الفلسفية في الأصل ـ كما شاهدنا ـ وهذا هو التفسير الواقعي لإختلاف الأنظمة السياسية، بعضاً عن بعض.

يجب أن يتمكن دارس الفكر القومي الإجتماعي من قراءة العلاقة بين حقيقة تقررت بالإستقراء العلمي، في نشوء الأمم، والقائلة بوجوب " إبقاء الفرق واضحاً بين الإجتماع والسياسة "، لصالح التطور، وهي من المرتبة الأولى، ومنهج التفكير الفلسفي الذي يشاهد هذا التطور حاصل تفاعل العوالم الروحية (وأهمها المعرفة) والعوامل المادية بوصفها جميعاً قوى التطور.. وهو من المرتبة الثانية، والمذهب القومي الإجتماعي الذي يعتبر " المجتمع معرفة والمعرفة قوة " والعقل هو الشرع الأعلى.. وهو المرتبة الثالثة.. والنظام القومي الإجتماعي/نظام الأشكال الذي ينيط قيادة الحزب/ الدولة، بأصحاب المعرفة، أصحاب الإدراك العالي.. وهذا من المرتبة الرابعة..

من نشوء الأمم، إذاً، الأساس العلمي للفكر القومي الإجتماعي، الى المرسوم السابع.. عبر منهج فلسفة التفاعل المادي الروحي، والمذهب الإجتماعي السياسي الذي أنتجته هذه الفلسفة.. نحن نشاهد أربع مراتب لنظام فكري واحد.

هذا معنى كلام سعاده أن النظام هو نظام فكر ونظام نهج ونظام أشكال/ مؤسسات.. تحقق الفكر والنهج.

المرتبة الخامسة: هي مرتبة التمثل الأخير للأغراض الإنسانية الأخيرة في الفكر القومي الإجتماعي.. وهو مبحث فلسفي قيّمي يرتكز الى المباحث الأربعة السابقة، ويتأسس عليها، ويستوحي، في الوقت نفسه روح الأمة السورية، وتاريخها ومناراتها... " أمّة معلمة وهادية للأمم " وهذه هي المرتبة العليا للفلسفة السورية القومية الإجتماعية: مرتبة إنتصار الروح.

إذا نحن شاهدنا وحدة القضية السورية، عبر مراتب الفكر السوري القومي الإجتماعي الخمس، أمكننا أن ندرك، بل وجب علينا أن ندرك، أن النظام القومي الإجتماعي، نظام الحزب/ الدولة، هو موضوع إيمان بمقدار ما هو موضوع معرفة.

أنت لا تستطيع أن تؤمن بالقومية الإجتماعية مذهباً إجتماعياً سياسيآً، وتؤمن، في الوقت نفسه، بالنظام التمثيلي الليبرالي، أو بالنظام الشيوعي، نظاماً للحزب والدولة..

فلكل مذهب نظامه..

وإذا كنت فعلاً تفهم القومية الإجتماعية، حقائق ومنهجاً وقواعد فكر إجتماعي سياسي.. فإن عليك أن تستخدم هذا الفهم، ولو بجهد مضن. لكي تجتاز العتبة الى فلسفة الفكر الدستوري التي يستكمل بها مذهبنا نفسه بقواعده الفكرية نفسها.

فهو ليس فكراً إجتماعياً وحسب، بل هو فكر إجتماعي سياسي، يتحقق في المجتمع بقوة العامل السياسي المفعّل لقوى المجتمع: عامل دور الدولة، بقوة نظامها العام، ومؤسساته.

نحن، إذاً، ملزمون بالنظام القومي الإجتماعي إلتزامنا بالعقيدة القومية الإجتماعية. ولقد شدّد سعاده على أهمية الإيمان بالنظام ـ وهو لا يعني أي نظام ـ وبالطبع هو لا يعني هنا الطاعة للسلطات الحزبية أياً كانت تشريعاتها ـ وكان تشديده على وجوب إلتزام النظام القومي الإجتماعي، كما شرّعه هو، في أساس نشوء الحزب:

"على أن يكون معتنقو دعوته ومبادئه أعضاء في الحزب يدافعون عن قضيته ويؤيدون زعيمه تأييداً مطلقاً في كل تشريعاته ".. مقدمة الدستور. وفي القسم: "أن أحفظ قوانينه ونظاماته، وأخضع لها ".

وفي المرسوم السابع " أن يكون مثالاً في الإيمان بالزعيم والعقيدة والنظام.."

لا نكون داخل الحزب السوري القومي الإجتماعي، حزب سعاده العظيم، إذا أبطلنا قواعد الفكر الدستوري القومي الإجتماعي، وإرتأينا لسبب أو لآخر، أعني بعامل الغباء آو بعامل المصلحة الشخصية والفئوية، أن نغير نظام الحزب، ونخترع مؤسسات على هوانا...

كل قومي إجتماعي ملتزم بالنظام القومي الإجتماعي كما شرّعه سعاده، وهو غير ملزم بالنظام اللاقومي إجتماعي أبداً، بل هو مُطَالب بمقاومة كل تخريب للنظام القومي الإجتماعي، وبرفض كل تشريع يخالف تشريعات سعاده، ومحاربته، وتسفيهه.

إذا قال سعاده: " تكون للرئيس المنتَخَب السلطة التنفيذية "، في المادة الثانية عشرة من الدستور.. فهذا يعني أن النظام القومي الإجتماعي هو قطعاً نظام رئاسي.. وليس من حق أي كان، شخصاً آو مؤسسة، أن يقول: " أنا لا أقبل أن تكون السلطة التنفيذية مناطة بشخص واحد..." بصرف النظر عن وجهة نظرك أو نظري في الممارسات السابقة التي مارسها الرؤساء...

فالممارسات السيئة يجب أن تحملنا على التشبث بقواعد النظام القومي الإجتماعي، وعلى حسن تطبيق قوانين الحزب، وعلى التفكير في نواقص التجربة التاريخية التي ظهرت فيها ظواهر الإنحراف والفساد.. لا على تدمير نظام الحزب الأساسي نكاية بالرؤساء الذين أساؤا الى النظام...

إن قبول القوميين الإجتماعيين بتدمير نظام الحزب الأساسي هو الإنتحار. فخلاص الحركة في نظامها الدقيق الراقي الصارم... لا في مخترعاتنا الخيالية التي لا أساس لها من مذهب أو منهج أو حقيقة.

إذا قال سعاده بمصلحة رئيسية عامة إسمها القضاء، وانشأ محكمة مركزية تضبط السلوك العام، سلوك المسؤولين والأعضاء، بالسواء، وقرّر أن من حق العضو أن يطالب بمحاكمة علنية " حتى لا يشعر أن مصيره يُقرر في الخفاء.." فليس من حق أية مؤسسة من مؤسسات الحزب، أو أي كان، وأيا كان حسابنا لقيمة أشخاصنا، أن نقول " لا، نحن نريد في الحزب قضاء طبقي، عدالة طبقية: محكمة عليا تحاكم الأمناء والمسؤولين، وعمدة الداخلية تحاكم الأعضاء... ونحن نريد محاكمات سرية، تجري فصولها داخل جدران أربعة...".

في العام 1984 - وهذا ما كنت أجهله، عند كتابتي حديثي لمجلة " إتجاه" العدد العاشر - ذكر الأمين الراحل مصطفى عبد الساتر وجود قانون المحكمة المركزية الذي وضعه سعاده، في دراسته التي قدمها الى المؤتمر العام، وذكر أن القانون موجود في كتاب «قضية الحزب القومي» الصادر عن وزارة الأنباء اللبنانية في العام 1949، ولكنهم ضربوا عرض الحائط بكلامه لأنهم لا يريدون قضاء عدلياً حزبياً، جدياً، صارماً.. يتساوى فيه، تحت قوسه، العضو والمدير والمنفذ، العميد، والرئيس... والأمين وغير الأمين...

وأمس، حتى أمس، أعادوا تسمية موظفين وقضاة للمحكمة العليا الطبقية، ولم يكّلفوا أنفسهم قليلاً من التواضع تجاه سعاده، ليطّبقوا قانون محكمته المركزية الذي نبشناه ونشرناه...

كيف نكون أعضاء متساوين في الحقوق والواجبات، إذا كنا نقاضي بقضاءين أحدهم قضاء شكلي مقيد من السلطات العليا لطبقة عليا سنّت هي لنفسها قوانين تحميها، والثاني قضاء إستبدادي، إبتساري، إستنسابي، هو في حقيقته عصا على رؤوس الأعضاء، لا سبيل أمامهم لتلافي مهاناته سوى ترك الحزب، والإبتعاد عن مؤسساته...

يقول سعاده في دستوره: " المجلس الأعلى هو سلطة تشريعية..." ولقد أعطى أول مجلس أعلى يتولى السلطة التشريعية بعده سلط تشريعية غير دستورية، أي سلطة تشريعية تستطيع أن تعدّل الدستور - دستور عهد الزعامة - لتستكمل بناء الحزب الدستوري لعهد - ما - بعد - الزعامة.. وبهذا النص الدستوري، في المادة 1 من الدستور، أصبحت تشريعات المجلس الأعلى كلها دستورية... بشرط موافقتها الدستور في ما فيه نص دستوري صريح.. فرأى المجلس الأعلى، أن يخالف الدستور، وأن يمنح نفسه صلاحيات غير محددة، وغير محدودة - القانون الثامن 1951 - وجرى على هذه القاعدة في كل تشريعاته، فهو مجمع صلاحيات تشريعية وتنفيذية وقضائية...

إن ما أريد أن أقوله، هو أن أعضاء الحزب مُلزَمون بنظام الحزب، وهم ليسوا مُلزَمين بالتشريعات التي تخالف نظام الحزب.

وليس نظام الحزب ما تقرره المؤسسات، فهذا باطل!

بل هو ما تقرره النصوص الصريحة التي تركها لنا الشارع صاحب الدعوة..

وهذه النصوص الصريحة هي موضوع إيمان لنا، نتمسك بها وندافع عنها ونكافح من أجل تثبيتها، ولا يجوز أن يعني لنا شيئاً هاماً قول البعض، من أهل السلطة أو غيرهم، أنّ علينا أن نطور قوانيننا ودستورنا بما يتلاءم مع تطور العصر وتغير الظروف - لأن مثل هذا المنطق الذي يريد إقناعنا أن نظامنا القومي الإجتماعي قد تجاوزه الزمن، إنما هو يفرض علينا الإقتناع، عارفاً أو جاهلاً، أن عقيدتنا القومية الإجتماعية التي أنتجت هذا النظام، قد تجاوزها الزمن.. أيضاً! وهذا ما لا يمكن قبوله بأي حال والبقاء في الحزب!

صحيح - كل الصحة - أن مصدر السلطة بعد سعاده هم القوميون الإجتماعيون.

وحسب فلسفة فكرنا الدستوري، نحن نقول بديموقراطية تعبيرية، تختلف عن الديموقراطية التمثيلية، بمبدأ " التعبير عن الإرادة العامة ". والتعبير عن الإرادة العامة يقتضي إناطة السلطة بأصحاب الأهلية: أصحاب الإدراك العالي...

حسب فكر سعاده الدستوري، الأمناء هم الذين تناط بهم السلطتان التنفيذية والتشريعية، الرئاسة والمجلس الأعلى!

وهذا يقتضي أن يكون الأمناء أصحاب إدراك عال، بتطبيق سليم للمرسوم السابع..

وهذا يقتضي، أيضاً، أن الهيئة الناخبة التي " ستنتقي أعضاء المجلس الأعلى من الأمناء "- المادة 13 - يجب أن تكون هي أيضاً مؤهّلة لعملية الإنتقاء هذه...

مشكلتنا الكبرى اليوم، بل مأزقنا، أننا، نحن الأمناء، لسنا أصحاب إدراك عال...

وأن الانتخابات الداخلية، أي عملية الإنتقاء، لا يقوم بها أصحاب إدراك عال، ومؤهلون...

هذه هي مشكلة المشاكل في حزبنا.. منذ عام 1949...

ورأيي أن علينا أن نفكر في إتجاه واحد يحقق هذين الهدفين في المستقبل القريب، أعني خلال سنوات قليلة، خلال عهد رئاسي واحد:

- الهدف الأول، إستكمال المرسوم السابع بقانون جديد لمنح رتبة الأمانة: قانون يحقق شرط الإدراك العالي في جسم الأمناء. وهذا هو الأسلوب الدستوري الوحيد الذي نضمن به إدراكاً عالياً في مؤسسات الحزب المركزية.

- والهدف الثاني: وضع قانون إنتخابي جديد، القانون الثامن، يرسي عملية الإنتخاب على أوسع هيئة ناخبة ممكن تكوينها من القوميين الإجتماعيين المؤهلين.

أود أن أوضح حقيقة تاريخية هامة جداً تقدمها لنا تجربة الحزب التاريخية السابقة، وهي أن حزبنا، رغم كل مساوىء الممارسات السابقة، يعج بالمناضلين الأبطال، المؤمنين، النزهاء..

وقوافل شهدائنا الأبرار هي الشهادة الكبرى على نجاح تجربة الحزب السوري القومي الإجتماعي في أهم الميادين، وأصعبها شأناً، وأخطرها قيمة، وأعني ميدان بناء النفوس، وشحذ العزائم، وتصليب الإيمان.. وتثبيت القيّم العليا كمعنى أخير للحياة الإنسانية!

وفي الحزب اليوم آلاف من الأعضاء، الإناث والذكور، الذين تمرسوا في العمل القومي، وناضلوا وقاتلوا، بكل إخلاص وتجرد ونزاهة، مقدمين التضحيات، متحملين المشاق بقوة عقيدتهم الصلبة التي لم تهزها مصائب الدنيا..

وهذا، نتفرد نحن به دون سائر الناس، في بلادنا والعالم..

هذا النجاح، حققته العقيدة السورية القومية الإجتماعية، وقدوة سعاده العظيم في نفوسنا.. والناس ينظرون إلينا من الخارج ويتساءلون: ممّا ترى تتكون نفوس القوميين الإجتماعيين؟

آلاف النساء والرجال، أقول.. منهم يجب أن تتكوّن الهيئة الانتخابية الواسعة..

فإذا أمكن أن تتحقق في تاريخ الحزب الأهلية النضالية، على نطاق واسع كما نعرف، ولقد تحققت بشكل باهر، وهي المهمة الأصعب والأخطر التي حققتها الحركة السورية القومية الإجتماعية في الآلاف من الأعضاء.. فلماذا لا تتحقق، وبسهولة أكبر، الأهلية الفكرية في مجموع كبير من أصحاب الأهلية النضالية.

طبعاً، ليس من الضروري أن يكون أعضاء الهيئة الإنتخابية الواسعة ـ التي أتصورها متألفة من ستماية أو ثمانمائة أو ألف عضو.. أن يكونوا كلهم أصحاب إدراك عال، كما يجب أن يكون الأمناء، بل يكفي أن يكونوا متميزين، عن سائر أبطال الحزب ومناضليه، برتبة فكرية تضيف الى أهليتهم النضالية أهلية معرفية. وهذه الرتبة المعرفية الأولى، لا بد منها، في كل حال، ليتدرج مناضلو الحزب نحو رتبة الإدراك العالي التي يحصلون معها على رتبة الأمانة، تلقائياً، دون إذن، أو منحة من أحد..

هيئة إنتخابية واسعة النطاق ـ نعم ـ لا يستطيع أحد أن يشنكلها بمشاريع شخصية، أو يقطرها بمنافع فردية، أو يهيمن عليها بالإبتزاز والترهيب، أو الترغيب.. هيئة إنتخابية واسعة تنتخب هي مباشرة رئيس الحزب، لأن نظامنا رئاسي، وتقرر هي، إذاً، سياسة الحزب عندما تقترع للخطة الحزبية الفضلى بين الخطط التي قدمها المرشحون لرئاسة الحزب..

ليس من الضروري أن (نخترع) مجلساً من أعضاء الهيئة الانتخابية الواسعة: مجلساً لا محل له بين السلطات الحزبية الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية.

وليس من الصواب في شيء أن نتصور للهيئة الانتخابية الواسعة صلاحية توصية، أو صلاحية وصاية.. أو صلاحية تقرير لا يقرها بناء دستوري يقوم أساساً على مبدأ فصل السلطات.. توصية أو وصاية نضحك بها على المؤتمرين ما إن تنتهي طقوس المؤتمرات، وتأتي السلطات الجديدة لتمارس على ذوقها دون خطة عامة تنتخب على أساسها..

هيئة إنتخابية واسعة، دون مجالس ولا مؤتمرات..

هيئة إنتخابية واسعة تقرر هي سياسة الحزب لشؤونه الداخلية ولشؤون نضاله القومي في مجتمعه، بعلمية إقتراع بسيطة يسبقها عرض مفصّل ونقاش عميق لقضايا الحزب والبلاد، وعلى الأساس هذا، تنتخب هذه الهيئة قيادة الحزب وتقرر خطة العمل القومي في وقت واحد. في كل أنظمة العالم السياسية، الإنتخابات تقرر سياسة الدولة، إلاّ في حزبنا.

أقول هيئة إنتخابية واسعة تتكوّن بالمبدأ نفسه الذي تقوم عليه الديموقراطية التعبيرية: مبدأ الأهلية، وهو مبدأ لا يجوز أن نفارقه، أو نعبث به، أو نتفلسف عليه من عندياتنا لأنه جزء من مذهبنا.

فكما كان حكم الأمناء فاسداً، على مدى تاريخ الحزب، لأن الأمناء لم يكونوا أصحاب إدراك عال.. كذلك سيكون حكم الهيئة الإنتخابية الموسعة فاسداً إذا ساء إختيارهم أو أفرزتهم فئوية السلطة، وفرضتهم على مؤسسات الحزب، وعلى تاريخه.

نحن لا نستطيع، بالطبع، أن نقفز قفزة واحدة، من حالتنا الحاضرة الى الحالة المثلى: حالة أمناء أصحاب إدراك عال، وأعضاء مؤهلين، يؤلفون قاعدة البناء الأعلى للحركة السورية القومية الإجتماعية.. فلا بد من معبر قانوني، لفترة زمانية محددة، لتحقيق هذه القفزة النوعية.

وأعني بالمعبر القانوني، وضع قانون رُتَب جديد، يُطّبق خلال ثلاث سنوات، يكون عندنا في نهايتها أمناء أمناء، وهيئة إنتخابية مؤهلة..

خلال هذه الفترة، يُثبت الأمناء، أصحاب الإدراك العالي، أمانتهم، وفق منطوق القانون الجديد، ويحصل الأعضاء المناضلون المؤهلون على رتبة الأهلية.. وخلال هذه الفترة، تكون المحكمة المركزية قد قامت بدورها في عملية تطهير الحزب من المرتكبين.

هذا، في رأيي، هو مبتدأ طريق خلاصنا..
 

www.ssnps.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع