صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                      www.ssnps.jeeran.com
 
أضواء على شخصية وسيرة مؤسس أول حركة فكرية قومية ثورية

 في العالم العربي خلال القرن العشرين

 

إعداد . د. يوسف مروة

 

العناوين الرئيسية للبحث

                                                        
1- نشأة وثقافة سعاده ( 1904- 1920)

2- الإغتراب الطوعي ( 1920- 1930)

3- ولادة النهضة والصدام مع الإنتداب ( 1930- 1938)

4- الإغتراب القسري ( 1938- 1947)

5-
العودة إلى الوطن والثورة والإستشهاد ( 1947- 1949)

6- ماهية الحركة السورية القومية الإجتماعية؟

 


     نشأة وثقافة سعاده                                                                [ التالي ]

أنطون سعاده ( 1904 – 1949 ) فيلسوف سوري عربي معاصر. زعيم ومؤسس النهضة السورية القومية الإجتماعية والمدرسة المدرحية في الفلسفة الحديثة. ولد سعاده في بلدة الشوير ـ قضاء المتن، جبل لبنان في أول آذار ( مارس) عام 1904 من أبوين شويريين لبنانيين. والده هو الدكتور خليل سعاده وكان طبيباً وباحثاً وأديباً، ومن أبرز القادة الوطنيين بين المغتربين السوريين والعرب في البرازيل. وقد أسس عدة جمعيات وأحزاب مهجرية وطنية وقومية كما أنشأ صحيفتي " المجلة" و " الجريدة" في سان باولو ـ البرازيل.

تلقى أنطون خليل سعاده دروسه الإبتدائية في مدرسة الشوير الإبتدائية ( 1908 ـ 1912) وأكمل دروسه الثانوية في معهد الفرير في القاهرة ( 1912 ـ 1916) حيث كان والده قد إلتجأ، ثم عاد إلى الشوير، حيث أنهى دروسه الثانوية في مدرسة برمانا العالية في برمانا، جبل لبنان ( 1916 ـ 1919)، ونال علامات إمتياز في جميع المواضيع. وقد رفض في الحفلة السنوية الرسمية ( حزيران 1917) أن يحمل العلم العثماني بوصفه رمزاً للإحتلال الأجنبي، وفي ايار 1918 أقدم سعاده على إنزال العلم التركي عن سارية مدرسة برمانا العالية وتمزيقه ( 1 ) . وهكذا خرج سعاده إلى الحياة العملية في صيف عام 1919 وهو مسلح بمعرفة ممتازة بلغته القومية العربية وبالفرنسية والإنكليزية.
 


   الإغتراب الطوعي                                                                  [ عودة ] [ التالي ]

غادر سعاده أرض الوطن في كانون الثاني ( يناير) 1920 إلى الولايات المتحدة الأميركانية حيث نزل في بوسطن ( ولاية ماساتشوستس) عند أقارب له من آل مجاعص، في نفس المدينة التي كان يقيم فيها جبران خليل جبران. وأقام في بوسطن ( منطقة روكسبري) مدة عام واحد، حيث تعمق في دراسة اللغة الإنكليزية وآدابها. وبدأ بدراسة علم الإجتماع والتاريخ الحضاري واستمع إلى بعض الدروس في كلية أمرسن. وكان يتردد على مكتبة بوسطن العامة ومكتبة الأكاديمية الأميركانية للعلوم والفنون. وزار متحف التاريخ الطبيعي ومتحف الفنون الجميلة في بوسطن الذي يضمّ مجموعة نادرة من التحف السومرية والبابلية والمصرية.

إنتقل سعاده في شباط ( فبراير) 1921 إلى البرازيل حيث أسهم مع والده في تحرير جريدة " الجريدة" ومجلة " المجلة" في سان باولو. ونشر مجموعة من المقالات في جريدة " القلم" ومجلة " الشرق" الصادرتان في البرازيل أيضاً ( 2 ) . وأقام سعاده في سان بولو حتى أواخر حزيران( يونيو) 1930. وتمكن خلال العام الأول من إقامته في البرازيل من دراسة اللغتين الإسبانية والبرتغالية إلى جانب العربية والفرنسية والإنكليزية.

وفي العام 1925 إنصرف إلى دراسة الألمانية والروسية، وواظب في هذه الفترة( 1922 ـ 1925) على دراسة تاريخ سورية السياسي والفكري والحضاري وجغرافية سورية الطبيعية والإقتصادية والسياسية. كما أنه تفاعل مع أحداث هذه الفترة التي شهدت معظم الإكتشافات العلمية والمذاهب الفكرية الحديثة ذات الطابع الإنقلابي، التي قلبت المفاهيم العلمية والفلسفية القديمة. وقد ساعده إتقانه لعدد من اللغات الحية على الإنصراف إلى الدراسات والمطالعات والأبحاث الخاصة التي قادته إلى التعمق في عدة إختصاصات علمية شملت التاريخ العام والحضاري والفلسفة والجغرافية والإجتماع والنفس والإقتصاد والسياسة والآداب الأمر الذي ظهرت آثاره إطلاعاً واسعاً وإسناداً إلى المراجع العلمية الوافرة في خطبه ومقالاته ومؤلفاته. فقد كان سعاده يمتلك عقلاً محللاً وفكراً بناءاً مميزاً وقدرة إبداعية متفوقة تجلت في العديد من آثاره والجديد من أفكاره ( 3 ) .

أسس سعاده في سان باولو سنة 1924 جمعية سرية غايتها العمل على وحدة سورية الطبيعية وتحرير الوطن السوري من الإنتداب المثنى الفرنسي ـ البريطاني، وحلّها سنة 1925 لأنه وجد أن الجمعية لن تتمكن من تحقيق أهدافها في المغترب.

واشتغل إلى جانب التحرير الصحفي بالتدريس حيث درّس في الكلية الوطنية للعلوم والآداب في سان باولو مواضيع إجتماعية كالتاريخ والجغرافية والإقتصاد إلى جانب اللغات الأجنبية. وبعد أن إنخرط في عدة جمعيات بقصد المساهمة في خدمة أمته وجد أن النضال الفعلي إنما هو الذي ينطلق من أرض الوطن لا من ديار الإغتراب، لذلك صمم على العودة إلى الوطن.
 


ولادة النهضة والصدام مع الإنتداب                                        [عودة] [التالي]

وصل سعاده إلى بيروت على ظهر باخرة إيطالية في أوائل تموز ( يونيو) 1930 ( 4 ) . وفي مطلع عام 1931 إنتقل إلى دمشق حيث إشترك في تحرير جريدة " الأيام" الدمشقية، وكتب قصة " فاجعة حب" سنة 1931، ونشرت مع قصة " عيد سيدة صيدنايا" في كتاب واحد للمرة الأولى في بيروت عام 1933. واشتغل أثناء عمله الصحفي في جريدة " الأيام" كمدّرس للغة الإنكليزية في كلية " الجامعة العلمية" في دمشق، بالإضافة إلى كتابة بعض المقالات والأبحاث التي كانت تنشرها له جريدة " ألفباء" الدمشقية، ومنها كتابه المشهور الذي ردّ به على لويد جورج عام 1931، والذي جاء فيه قوله:" إن أمتي هي التي وضعت حجر الزاوية في بناء تمدنكم" وقوله أيضاً:" إن العلم من طبيعة الغربي وإن الفلسفة إلى طبيعة الشرقي أقرب" ( 5 ) .

ومنذ وصوله إلى الوطن عام 1930 حتى أواخر عام 1933 إنصرف إلى دراسة التراث السوري العلمي والفلسفي والأدبي والعسكري، وشملت دراسته تاريخ سورية الأدبي والفلسفي منذ العصر الكنعاني ـ الفينيقي حتى القرن العشرين. من زينون الرواقي وزينون الصيدوني ق.م. إلى القديس أغناطيوس ومار صليبي ويوحنا فم الذهب ويعقوب السروجي وسرجيوس الرأسعيني. كما شملت النشاط الفكري السرياني السوري في مراكز الفكر السوري ـ الهيليني ( انطاكية ـ الرها ـ نصيبين ـ قنسرين ـ حران) قبل الفتح العربي، إلى أبو العلاء المعرّي وديك الجن الحمصي وأبو فراس الحمداني، والى الكواكبي وجبران أخيراً.

وعاد سعاده إلى بيروت في ربيع عام 1932 وهو عازم على إنشاء الحزب السوري القومي، مفضلاً الشروع في الوسط الملائم الذي هو وسط الطلاب، فتولى تدريس اللغة الألمانية لطلاب الجامعة الأميركانية الذين إختاروا هذه اللغة في برنامجهم الجامعي ( 6 ) . بدأ سعاده عمله الفكري الرائع بطرح أسئلة فلسفية أساسية على نفسه، وكان الجواب على هذه الاسئلة هو العمل الإنشائي الكبير الذي قام به في حياته. ومن أهم الأسئلة التي طرحها ما يلي: مَن نحن؟ وأين نحن؟ وما هي أهدافنا العليا في الحياة؟ وماذا يجب علينا أن نفعل لتحقيقها؟ وكانت الأجوبة التي وضعها سعاده لهذه الأسئلة الفلسفية هي الهيكل الأساسي الذي قامت عليه النهضة والحركة والعقيدة والحزب السوري القومي الإجتماعي ( 7 ) .

وأسس سعاده الحزب السوري القومي في 16 تشرين الثاني ( نوفمبر) 1932 من خمسة طلاب من الجامعة الأميركانية، ثم ومن هذا الوسط الطلابي، إنتشرت دعوته إلى المناطق بحيث إنتظم ألف عضو في غضون سنة واحدة من العمل السري. وفي هذه الأثناء أعاد إصدار مجلة " المجلة" في بيروت عام 1933 وصدر منها أربعة أعداد فقط. وإنتهى سعاده في 21 تشرين الثاني ( نوفمبر9 1934 من وضع دستور الحزب السوري القومي وقوانينه ( 8 ) . وإنكشف أمر الحزب في 16 تشرين الثاني 1935 من قبل سلطات الإنتداب الفرنسي، فإعتقل سعاده مع عدد من معاونيه وصدرت بحقهم أحكام مختلفة أقصاها الحكم على سعاده بالسجن مدة ستة أشهر. وكانت محاكمة سعاده أمام المحكمة الفرنسية المختلطة برئاسة القاضي روسيه ( 9 ) حدثاً تاريخياً حين وقف سعاده في 23 كانون الثاني ( يناير) 1936 يتحدى قضاء الإنتداب الفرنسي بقوله : " أنا متهّم بخرق وحدة البلاد الجغرافية وإنتهاك حرمة الأرض. فأراني مضطراً علمياً لا بالعاطفة للقول بأن خرق وحدة وطننا القومية وإنتهاك حرمة أرضنا قد تمّا بالفعل في سان ريمو وسيفر ولوزان والمسؤولون عن ذلك هم غير الحزب السوري القومي " ( 10 ) .

وإنصرف سعاده أثناء عمله بتدريس اللغة الألمانية في الجامعة الأميركانية إلى دراسة ومراجعة موضوعات علم الإجتماع والجغرافية الإقتصادية، وإستعان في دراساته ومراجعاته بالمصادر الألمانية والإنكليزية والفرنسية والإسبانية إلى جانب العربية. وإستمر بهذه الدراسات منذ بداية عام 1934 حتى أواخر عام 1935، وجاء كتابه " نشوء الأمم" نتيجة لتلك الدراسات والمراجعات. والمعروف أن سعاده إستغل فترة السجن في البحث والدراسة بحيث تمكن من وضع اللمسات الأخيرة على كتابه العلمي حول نشوء الأمم، وهو في رأي الباحثين أول كتاب في علم الإجتماع يُنشر باللغة العربية في العصر الحديث، ويعتبر الإنجاز الثاني بعد مقدمة إبن خلدون في هذا المجال.

ويتألف كتاب " نشوء الأمم" من سبعة فصول: " نشوء النوع البشري"، "السلائل البشرية"، " الأرض وجغرافيتها"، " الإجتماع البشري"، " المجتمع وتطوره"، " نشوء الدولة وتطورها" و " الأثم الكنعاني". ويحلل سعاده في هذا الكتاب "كيفية نشوء الأمم وتعريف الأمّة " مستنداً في هذا البحث لا على النظريات السياسية المجرّدة كما كان الأمر في مدارس الفكر الأوروبي الكلاسيكي، بل على مبادىء وأسس ومعطيات علم الإجتماع الحديث، حيث أن الأمّة هي المتحّد الأتمّ ( COMMUNITY ) في سُلُم المتحدات البشرية، وهي كذلك لأنها تمثل " الإتحاد في الحياة عبر الدورة الإجتماعية الإقتصادية الواحدة " الناشئة عن عملية التفاعل بين الإنسان والأرض عبر التاريخ. وعلى هذا الأساس وجد " إن الأمّة هي متحّد إجتماعي أو مجتمع طبيعي بين الناس قبل كل شيء آخر".

وخلافاً لكل المدارس الكلاسيكية في الفكر القومي، لا يخوض سعاده في جدلية الأوصاف والصفات والعوامل المجردة بحيث يدور الخلاف حول هذا العامل أو المجموعة من العوامل في نشوء الأمّة، بل بروز كل العوامل في ضوء قانون التفاعل الناشىء عن إرتباط " جماعة من الناس... البقعة الطبيعية الواحدة من الأرض " ( 11 ) .

والملاحظ من دراسة " نشوء الأمم" أن سعاده قد جاء بنظرية علمية جديدة تحدد العلاقة بين البيئة الطبيعية والكائن الحيّ ( العاقل وغير العاقل) وتضع التفاعل بين ظروف البيئة وإرادة الإنسان على مستوى علمي جديد. فنظريته القائلة " أن التفاعلية القائمة بين الإنسان والبيئة، وتعني أن ليس هناك من حتمية بيئية مطلقة ولا إرادة إنسانية مطلقة، بل تفاعل مستمر بين الإثنين. إن موقف سعاده هذا هو موقف عالم مدّقق وفيلسوف حكيم في آن واحد. كما لا بدّ من الإشارة هنا إلى أن سعاده قد أكدّ منذ عام 1937 في " نشوء الأمم " على أهمية وخطورة دور البيئة في حياة الإنسان، سواء كانت البيئة طبيعية أو إجتماعية أو إقتصادية أو ثقافية. وإتهمه بعض المفكرين العرب بأنه يبالغ في أهمية وخطورة دور البيئة. كما حاول بعضهم نفي ذلك الدور. ولكننا لاحظنا أن الدول الغربية بدأت بإنشاء وزارة خاصة للبيئة في حكوماتها منذ أوائل العقد السادس من القرن الماضي وحذت حذوها بعض دول العالم الثالث بعد عقدين أو أكثر.
خرج سعاده من السجن في 12 أيار ( مايو) 1936 وأول عمل قام به بعد وصوله إلى مكان إقامته كان إرسال برقية إلى سماحة الحاج أمين الحسيني بصفته رئيساً للهيئة الفلسطينية العليا وهذا نصّها: " إن أول عمل أقوم به بعد خروجي من السجن هو إرسال تحيتي إلى الشهداء الذين سقطوا في ساحة الصراع مع الصهاينة في سورية الجنوبية " ( 13). وفي أواخر حزيران ( يونيو) 1936 عادت سلطات الإنتداب فإعتقلت سعاده للمرة الثانية، وخرج من السجن الثاني في أوائل تشرين الثاني ( نوفمبر) 1936.

ووضع أثناء فترة سجنه الثاني كُتيّب شرح مبادىء الحزب السوري القومي، وفي شرحه للمبدأ الأساسي السابع أعلن" إن في النفس السورية كل علم وكل فلسفة وكل فن في العالم " ( 14). وكان سعاده قد أصدر تعليماته، قبيل دخول السجن للمرة الثانية، إلى الوحدات الحزبية المنظمة في فلسطين للمشاركة في الثورة الفلسطينية، وكان القائد السوري القومي سعيد العاص في مقدمة القوميين الذين قاتلوا الجيش البريطاني ببسالة في عدد من المواقع في الجليل الأعلى، وقد إستشهد البطل سعيد العاص في 7 تشرين الثاني ( نوفمبر) 1936 في المعركة وهو يقود فرقة قومية إجتماعية من رفقاء لبنان والشام وفلسطين.

وأعاد سعاده تصنيف دستور الحزب وقوانينه في 20 كانون الثاني ( يناير) 1937 وإعتقل للمرة الثالثة في أوائل آذار ( مارس) 1937. ووضع كتاب " نشوء الأمّة السورية" في هذه الفترة، لكن سلطات الإنتداب الفرنسي صادرت أوراق هذا الكتاب ولم تعدها إليه، وهي لا زالت مفقودة حتى الآن. خرج سعاده من السجن الثالث في 15 ايار ( مايو) 1937، وأول عمل قام به كان التنديد بسياسة سلخ لواء الإسكندرون عن سورية، ودعا إلى الدفاع عنها بجيش سوري. ووجّه في 14 تموز ( يوليو) 1937 مذكرته بإسم الحزب إلى عصبة الأمم رداً على تقرير بعثة اللورد بيل رافضاً تقسيم فلسطين ومحذراً من خطر قيام كيان صهيوني على جزء منها. وكانت من أولى المذكرات الحقوقية القومية في الدفاع عن فلسطين( وعلى نصوص مبادئها وضع فارس الخوري، مندوب سورية في الأمم المتحدة، مذكرته في دحض الإدعائات الصهيونية عام 1947). وبعدها أسس سعاده جريدة " النهضة" في بيروت، وصدر العدد الأول منها بتاريخ 14 تشرين الأول ( أكتوبر) 1937 ( 15).

بعد صدور " النهضة" بفترة قصيرة( حوالي منتصف تشرين الثاني ( نوفمبر) 1937) أسس سعاده " الندوة الثقافية في بيروت. وهدفها نقل الفكر السوري من السطحيات ومسائل الإدراك العادي إلى الأساسيات وقضايا العقل العلمي والفلسفي، وعيّن سعاده زكي النقاش رئيساً للندوة وفؤاد سليمان ناموساً لها، وكان من أعضاء الندوة المشتركين: يوسف صوراتي ومنير تقي الدين وعبد الله قبرصي وفخري المعلوف ومنير الحسيني وناجي عيتاني.. الخ, وشكّل سعاده عام 1938 حلقة سرية سمّاها " حلقة الأريعاء" كان يتردد عليها مجموعة من المفكرين ورجال العلم والإختصاص والأعمال والصناعيين من القوميين الإجتماعيين ( 16 ) .

وفي أوائل سنة 1938 جرى أول إتصال فكري فلسفي بين سعاده والدكتور سارل مالك، أستاذ الفلسفة في الجامعة الأميركانية ببيروت. وكان شارل مالك قد حصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة هارفرد الأميركانية عام 1935 وقضى فترة عام ونصف في جامعة فرايبورغ الألمانية يتخصص في بعض المواضيع الفلسفية. وفي أوائل آذار ( ماري) 1938 زار بيروت الفيلسوف الأميركاني الدكتور إدغار شيفيلد برايتمان ( 17) أستاذ الفلسفة في جامعة بوسطن، في طريقه إلى الهند لدراسة بعض المستندات الفلسفية والدينية التي يحتاجها في وضع كتابه " فلسفة الدين". وأثناء وجوده في بيروت دعاه الدكتور مالك لإلقاء محاضرة في نادي الأبحاث الفلسقية في الجامعة الأميركانية حضرها بعض أعضاء الندو الثقافية القومية، وإهتم الدكتور مالك بتدبير لقاء بين الدكتور برايتمان وسعاده.

وجاء الدكتور مالك يصحبه الدكتور برايتمان بناءً على موعد معين ذات مساء إلى منزل الأمين السابق فخري المعلوف، حيث جرى بعد العشاء بحث فلسفي طويل كان سعاده في جهة والدكتور برايتمان والدكتور مالك في جهة أخرى، وإستمر البحث والحوار بينهم إلى ما بعد منتصف الليل. كان سعاده يقول بضرورة توفر المعرفة لقيام الحقيقة وعدم كفاية الوجود غير العاقل في ذاته لتكوين قيمة الحقيقة، لأن الحقيقة ـ لدى سعاده ـ قيمة فكرية تحصل في العقل أو الضمير بواسطة المعرفة فقط. وكان الدكتور مالك والدكتور برايتمان يقولان أن الحقيقة تقوم بلا معرفة كالإفتراض أن جبلاً في القمر قد إندّك ببركان أو زلزال أو ما شاكل فلا حاجة لرؤية ذلك ومعرفته ليكون قد حصل. وقد وجّه الدكتور مالك إلى سعاده فعلاً هذا السؤال: " إذا إفترضنا أن زلزالاً حصل في القمر ودّك جبلاً فهل يكون الجبل إندّك أو لا يكون؟" فأجاب سعاده:" إن إفتراض المجهول لا يكون حقيقة. فلا أستطيع القول أن جبلاً في مكان ما إندّك أو لم يندّك، وأن زلزالاً حدث أو لم يحدث إلا بالمعرفة الصحيحة فقط". وفي ختام هذا الحوار الفلسفي قال الدكتور برايتمان لسعاده: " إنني لم أجد في جميع مَن إجتمعت بهم وناقشتهم من قبل ما وجدته في نظراتك وحججك من قوة البيان ودقة النظر ومتانة الفكر والحجّة" ( 18).

وكان الدكتور مالك قد أهدى سعاده كتيباً عنوانه " معنى الفلسفة" وهو عبارة عن محاضرة كان قد ألقاها الدكتور مالك في كلية البنات الأميركانية. وقد تسلم سعاده هذا الكتيب في نفس الوقت الذي كان يعالج فيه كتاب " جمهورية أفلاطون". فقطع دراسته لأفلاطون وقرأ محاضرة د. مالك، وعند إنتهائه من تلك القراءة وجّه إلى د. مالك رسالة مؤرخة في 10 نيسان ( أبريل) 1938 جاء فيها:

" إذا كان معنى الفلسفة الفلاسفة أنفسهم، كما تقول. فأشدّ حاجة شعبنا إلى هذا المعنى. إن الإدراك العادي سيظل إدراكاً عادياً مهما تثقف وإرتقى. والفلسفة تظل فلسفة، والعالم لا يحتاج فقط إلى الفلسفة بل يحتاج إلى الإدراك العادي أيضاً، لأنه حيث يوجد معطِ يجب أن يكون هناك متسّلم يقبل. وإنه من الحسن أن يفكر الإدارك العادي بديموقراطيس وصكرات وأفلاطون وأرسطو وأوغسطين وزينون ونيتشه، ولكني حين أفكر أنا في الفلسفة لا افكر بهذه الأسماء بل في الحقائق الأساسية والمرامي النفسية الأخيرة عينها التي فكر فيها هؤلاء الفلاسفة. وأعتقد أنك أنت أيضاً ستظل تحدّق، من خلال هذه الأسماء، وتغوص على هذه الحقائق والمرامي في أعماق نفسك وتحسّ تياراتها الخفية تحت الطبقات التاريخية المطبقة عليها، فتكتشف نفسك ـ نفسيتك الأصلية بكل جمالها وكل قوتها ـ فتخرج فيلسوفاً لا ناقل فلسفة. وحينئذ تجد الحلقة المفقودة بين الفلسفة والإدراك العادي وتدرك الرابطة بين الفيلسوف وأمته وبين حيوية أمته وقبول الشعوب القريبة منها " ( 19 ).

والمعروف أن سعاده إنصرف إلى دراسة الفلسفة مباشرة بعد أن أنهى شرح المبادىء ووضع الدستور وقوانين الحزب وتأليف " نشوء الأمم"، وقد وضع برنامجاً خاصاً لهذه الدراسة. فعمد منذ خروجه من السجن الثالث في أيار ( مايو) 1937 حتى تاريخ مغادرته الوطن في حزيران ( يونيو) 1938 إلى صرف كل أوقات فراغه في دراسة الفلسفة دراسة موضوعية، حيث تمكن من دراسة الفلسفات التي ظهرت قبل الفلسفة اليونانية الكلاسيكية دراسة واعية والإحاطة الشاملة بها وبحث المواضيع والمشاكل التي عالجها كبار فلاسفة تلك الحقبة أمثال بتاح حتب وأخناتون وزرادشت وبوذا وكونفوشيوس ولاوتسي، ثم إنتقل إلى دراسة الفلسفة اليونانية الكلاسيكية على إختلاف فلاسفتها ومذاهبهاهم الفكرية. وشملت دراسته الفلاسفة طاليس وأناكسيماندر وأناكسيمانز وهرقليطس وأمبيدوقليس وديموقراطيس وأكسانوفان وبارمنيدس وفيتاغوروس وأناكساغوراس وأودكسوس وصكراط وأفلاطون وأرسطو وإبيقور وثيوقراسطس وزينون الرواقي ( 20) .

والملاحظ في مرحلة 1937 ـ 1938 هو إنتشار الحزب السوري القومي إنتشاراً واسعاً في مختلف المناطق اللبنانية والشامية والفلسطينية. وبعد الإنتخابات اللبنانية عام 1937 جرت إنتخابات في اللاذقية فخاضها الحزب وفازت جبهته في منطقة تلكلخ ـ الحصن . أما في لبنان فخاض الحزب معركة حقوق المواطن السياسية والحريات الشعبية والفكرية والسياسية في وجه نظام الإنتداب وقد تابع سعاده قيادته وتنظيمه الدقيق للحزب حتى مغادرته الوطن عام 1938 لتنظيم فروع الحزب في المغتربات.
 


الإغتراب القسري                                                    [عودة][التالي]

نتيجة للضغوط والمؤامرات التي واجهها سعاده من سلطات الإنتداب الفرنسي، قرر أن يغادر الوطن إلى بلدان أميركة اللاتينية من أجل تنظيم فروع الحزب في تلك المغتربات، ولتأمين مصدر تمويل ثابت للحزب من فروعه هناك. وأقيم لقاء وداعي لسعاده مع المسؤولين المركزيين في منزل فخري معلوف قبل مغادرته بيروت ( 21).

غادر سعاده بيروت في 11 حزيران ( يونيو) 1938 إلى دمشق ومنها إلى عمان، حيث مكث هناك يومين فقط، قابل خلالها الأمير عبد الله، رئيس دولة إمارة شرق الأردن في ذلك الحين. ومنها توجه إلى القدس ثم إلى حيفا، حيث مكث هناك بضعة أيام. سافر بعدها على ظهر باخرة إيطالية إلى قبرص. وأمضى في قبرص حوالي شهر دارساً وباحثاً ومستجماً. وفي 28 تموز ( يوليو) 1938( أصبح هذا التاريخ يُعرف حزبياً بإسم يوم ذكرى المهاجر) غادر قبرص إلى نابولي على ظهر باخرة يونانية، حيث وصلها في 2 آب ( أغسطس). ومن نابولي سافر إلى روما بالقطار حيث وصلها في 5 آب. وقضى هناك حوالي شهرين، يراجع الوثائق التاريخية في مكتبات روما الجامعية والعامة حول الحروب القرطاجية ـ الرومانية، ويزور متاحفها فاحصاً ومدققاً في آثار وعاديات أمته المسلوبة والمعروضة في تلك المتاحف.

وغادر سعاده روما إلى برلين بالقطار في أوائل تشرين أول ( أكتوبر) 1938 حيث زار الوحدة الحزبية في برلين ( مديرية برلين المستقلة)، التي كانت تضّم مجموعة من الطلبة السوريين يدرسون في جامعة برلين ومعاهدها الهندسية. وبعد أن مكث في برلين حوالي أسبوع، فعل خلاله مثل ما فعله في روما من تردد على المكتبات وزيارة المتاحف( 22) غادرها بالقطار إلى مدينة هامبورغ، وبعد يومين من وصوله إلى تلك المدينة، ركب باخرة هولندية إلى دكار ( السنغال) ـ أفريقية الغربية. وفي دكار إلتحق به الأمين أسد الأشقر، وسافرا معاً على نفس الباخرة إلى سان باولو ( البرازيل)، حيث وصلا في 18 تشرين الثاني ( نوفمبر) 1938.

زار سعاده أثناء وجوده في سان باولو الفروع الحزبية المؤسسة في مدن ريو دي جانيرو وأراخا وسنتس. وأسس في سان باولو مجلة " سورية الجديدة" وصدر العدد الأول منها بتاريخ 11 آذار ( مارس) 1939. وإعتقل أثناء وجوده في سان باولو، بتاريخ 23 آذار، بعد صدور المجلة وأُفرج عنه بعد شهر واحد في 22 نيسان ( أبريل) من نفس العام. وكان إعتقاله بوشاية من قبل عملاء الإستعمار الفرنسي تبين بطلانها ( 23) . وحدث أثناء غياب سعاده أن قامت المحاكم الفرنسية في لبنان بملاحقة الحزب ورجاله بعد نشوب الحرب العالمية الثانية، وأصدرت حكماً غيابياً على سعاده بالسجن عشرين سنة وبالنفي عشرين سنة. كما أصدرت أحكاماً قاسية على مجموعة كبيرة من مسؤولي الحزب في لبنان والشام، وأُودع مئات القوميين الإجتماعيين في سجون الرمل( بيروت) وراشيا ومعتقل المية ومية ( قرب صيدا) وسواها.

وقام سعاده ببعض النشاطات الثقافية والفكرية في البرازيل عام 1939، فحضر عدة ندوات فلسفية كانت تنظمها الجمعية الفلسفية البرازيلية في سان باولو وريو دي جانيرو. وكان سعاده يثير العديد من المسائل الفلسفية الهامة مع شخصيات برازيلية معروفة أمثال الدكاترة: باولو ادواردو آرانتس (ARANTES) وإدواردو برادو دي مندونزا (( DE MENDONCA وباولو الكوفورادو (ALCOFORADO) وجيرالدو أدولفو فيانا ( VIANNA) . وكان الأول إستاذ تاريخ الفلسفة في دائرة الفلسفة الإجتماعية ( جامعة سان باولو)، وكان الثاني أستاذ الميتافيزياء في معهد الفلسفة والعلوم الإجتماعية( جامعة ريو دي جانيرو)، وكان الثالث أستاذ المنطق والرابع أستاذ الفلسفة الإجتماعية في نفس المعهد والجامعة. وذكرت مجلة ( ANAIS) التي تصدرها الجمعية الفلسفية البرازيلية عدة مرات إسم سعاده كمشارك في تلك الندوات الفلسفية ( 24) . وكان سعاده أثناء وجوده في البرازيل على إتصال فكري مع كبار الكتاب والشعراء والفنانين أمثال الشاعر خورجيه دي ليما ( DE LIMA) والشاعر موريلو منديز MENDEZ) والكاتب إريكو فريسيمو (VERISSIMO) والفنان كانديدو بورتيناري (PORTINARI) وسواهم.

غادر سعاده البرازيل قاصداً الأرجنتين في 14 أيار 1939، حيث نزل في بوانس إيرس، فيكون قد قضى في البرازيل حوالي سبعة أشهر. وإستقر في المدينة الأرجنتينية حوالي أربعة سنوات وإتخذها منطلقاً لأعماله ونشاطاته الحزبية والفكرية(25). وكان بين حين وآخر يقوم بزيارة الولايات الأرجنتينية والمدن الداخلية محاضراً ومتفقداً الفروع الحزبية وداعياً المغتربين السوريين للعمل القومي الموّحد وللإلتفاف حول قضية أمتهم القومية. ففي 18 تشرين الأول ( أكتوبر) 1939 زار سعاده ولاية توكومان ونزل في بلدة بيزو هوندو ( PEZO HONDO) حيث تفقد الجالية السورية العربية، ثم إنتقل إلى مدينة توكومان (TUCUMAN) ، عاصمة الولاية حيث ألقى محاضرة شاملة أمام جمع غفير من المغتربين في 3 تشرين الثاني ( نوفمبر) 1939 عنوانها "مستقبل سورية"(26) .

وإنصرف سعاده خلال أوقات فراغه، طوال عام 1939، إلى دراسة الفلسفة الدينية التي قامت بين القرن الأول والسادس للميلاد، وشملت دراسته الفلاسفة والمفكرين أمثال ابيكتاتوس ومارقوس أوريليوس وأفلوطين وبروقلوس والقديس أوغسطين وسواهم ( 20).

وفي الأول من آذار ( مارس) 1940 أقام القوميون الإجتماعيون إحتفالاً على شرف سعاده في فندق خوستين( بوانس إيرس)، حيث ألقى خطاباً طويلاً بعد مأدبة العشاء، نشرته مجلة " سورية الجديدة"، في العدد الصادر في 27 نيسان ( أبريل) من السنة المذكورة أعلن فيه ما يلي: " إن الحركة السورية القومية الإجتماعية ترفض الإقرار بإتخاذ قاعدة الصراع بين المبدأ المادي والمبدأ الروحي أساساً للحياة والأعمال الإنسانية ولا تقف الحركة السورية القومية الإجتماعية عند هذا الحدّ، بل هي تعلن للعالم مبدأ الأساس المادي ـ الروحي للحياة الإنسانية ووجوب تحويل الصراع المميت إلى تفاعل متجانس يحيي ويعمر ويرفع الثقافة ويسير بالحياة نحو أرفع المستويات" ( 27) . وبعد هذا الإحتفال قام بزيارة مدينة قرطبة (CORDOBA) في السادس من آذار ومكث فيها حتى 31 منه، حيث ألقى محاضرة في فندق جوشيه، حضرها جمهور كبير من أبناء الجالية السورية. ثم قام بزيارة إلى مدينة سانتياغو ( عاصمة ولاية سانتياغو دل إستيرو )(28) في 8 أيار (مايو) 1940 بناءً على دعوة من الجالية السورية، حيث سافر بالقطار من بوانس إيرس، وإستُقبل إستقبالاً حافلاً عند وصوله في محطة لابندا ( LA BANDA) . وفي حفلة غداء على شرفه في النادي الحمصي في مدينة سانتياغو ضمّت مجموعة من رجال السياسة البارزين، جرى حديث بين سعاده والجنرال إيبانياس، رئيس جمهورية تشيلي السابق، حول موضوع مركزية الحكم ولامركزيته. وفي المساء ألقى سعاده محاضرة هامة في جمع غفير من أبناء الجالية السورية تحدث فيها حول " الصراع بين مبدأ القيمة المادية للحياة الإنسانية الممثل بالشيوعية ومبدأ القيمة الروحية الممثل بالفاشية، وأن هذا الصراع والتفكير الملازم له الذي سارت بموجبه الإنسانية حتى الآن قد دخل في طور الشيخوخة في العالم كله، والبشرية باسرها تنتظر تفكيراً جديداً. وإن الحياة الإنسانية يجب أن تعتبر حاصلاً مادياً روحياً. هذا ما تقول به الفلسفة السورية القومية الإجتماعية. وهذه الفلسفة يحتاج إليها العام كله، لا سورية فقط " ( 29).

وأسّس سعاده في بوانس إيرس الجمعية السورية الثقافية بتاريخ 18 حزيران (يونيو) 1940 لتكون المظهر العلني للحزب السوري القومي الإجتماعي في الأرجنتين، وما تزال هذه الجمعية مستمرة بنشاطها الثقافي حتى اليوم، وفي نداء وجهه إلى الشعب السوري من الأرجنتين نراه ينطلق من قواعد جديدة في وصفه وتصنيف للعناصر والجماعات التي تؤلف الشعب السوري، حيث قال: " أيها الشعب السوري العظيم، المؤلّف من الفلاح المنتج بعرق جبينه والتاجر الساهر على خطط النجاح الإقتصادي والعامل الدائب على العمل الصناعي المولّد الثروة العامة والجندي الواقف على سلاحه للدفاع عن حق الأمّة والعالِم المنكّب على درس طبائع الأشياء ليستخرج منها معظم الفوائد لخير المجتمع وفلاحه والصناعي الذي يفتح للأمّة موارد جديدة للثروة .." (30).

وأسّس سعاده في بوانس إيرس جريدة " الزوبعة" التي حملت صوت الحزب السوري القومي في المغترب وكان يحررها وينضد حروفها ويوزعها بنفسه. وبدعوة من الجمعية السورية الإسلامية والمدرسة السورية زار سعاده مدينة قرطبة للمرة الثانية في 26 كانون الأول ( ديسمبر) 1940 حيث ألقى محاضرة عامة أمام جمع غفير من أبناء الجالية السورية. والمعروف أن سعاده قد صرف معظم أوقات فراغه خلال عام 1940 في دراسة الفلسفة الإسلامية دراسة موضوعية تناولت الفترة الزمنية الممتدّة بين القرنين السادس والثاني عشر للميلاد. وشملت دراسته بعض كتب السيرة والحديث والتفسير وعلم الكلام والمنطق مع التركيز على دراسة تراث الكندي والفارابي وإبن سينا والغزالي وإبن باجه وإبن طفيل وإبن رشد وإبن خلدون. وفي هذه الفترة من دراساته إتسعت معارفه وشملت التاريخ الحضاري والجغرافية الطبيعية لبلاد ما بين النهرين ( العراق). وإنتهى من دراسته إلى تعيين الحدود الشرقية لسورية الجغرافية ـ التاريخية، فعمد إلى تصحيح تلك الحدود، كما عمد بعد ذلك إلى تنقيح الطبعة الأولى من كتابه " نشوء الأمم" لتنسجم مع ما توصل إليه من حقائق جديدة نتيجة أبحاثه ودراساته ( 20) .

وبناءً لدعوة من جامعة قرطبة، زار سعاده مدينة قرطبة للمرة الثالثة في 5 شباط ( فبراير) 1941 وكان برفقته الدكتور فرير، عميد كلية الحقوق في تلك الجامعة سابقاً، والأديب السوري المعروف يوسف غريب، المتخصص بترجمة مؤلفات الأديب السوري جبران خليل جبران إلى الإسبانية والسيد توفيق سعاده، أحد وجهاء الجالية السورية في قرطبة. قوبل سعاده في الجامعة بالحفاوة والإكرام من قبل الأساتذة. وبعد تبادل الأحاديث في مواضيع علمية مختلفة دُعي سعاده لترأس إحدى اللجان الفاحصة في كلية الحقوق تقديراً وإكراماً له. وجرى تحت إشرافه إمتحان إحد طلاب السنة النهائية في الكلية ( 31). كما زار مدينة برغمينو (PERGAMINO) في 22 نيسان ( أبريل) 1941 بناءً على دعوة من دار المكتبة السورية حيث نظمت مجموعة من الجمعيات والنوادي السورية( مثل جمعية الإسعاف السورية والجمعية السورية الخيرية وجمعية الجامعة اللبنانية والنادي الرياضي السوري ومكتبة الإخاء العربية) إستقبالاً رائعاً على شرفه حيث أُقيمت حفلة عشاء في فندق فشينة. وفي اليوم التالي ألقى محاضرة هامة موضوعها " عوامل فاصلة في الإتجاه السوري الحديث نحو عهد جديد" في حشد كبير من المغتربين ( 32).
وبناء على دعوة من النادي السوري اللبناني زار سعاده في 7 أيار ( مايو) 1941 مدينة أفيلانيدا AVELLANEDA ( القريبة من بوانس آيرس) وألقى محاضرة هامة حول موضوع " القومية السورية والوحدة العربية". وجاء في مقال له نشرته جريدة " الزوبعة" بتاريخ 16 أيار ( مايو) 1941 فقرة حول الفلسفة المدرحية حيث قال : " المدرحية فكرة فلسفية إجتماعية أبديتها في مناسبات عديدة. وهي نظرية فلسفية شاملة تتناول قضايا العالم الإجتماعية والإقتصادية وشروحها التي تقتضي كتاباً على حدة يبحث في المبادىء الماركسية المادية لتنظيم المجتمع والمبادىء الفاشية المازينية الروحية لتنظيم المجتمع والصراع بين هاتين الفئتين من المبادىء. ثم مبدأ المدرحية الذي يخرج من القاعدتين المتصادمتين بقاعدة واحدة عامة يمكن أن تجمع عليها الإنسانية، وهو بحث واسع بل فلسفة كاملة في الإجتماع والتاريخ ". (33)

وفي أواخر شهر تشرين الأول ( أكتوبر) 1941 تمّت خطوبة سعاده على الآنسة جولييت المير. وذلك قبل صعوده إلى مدينة قرطبة الجبلية للإستجمام. ولأن سعاده قد تعرف إلى الآنسة جولييت عندما عملت له كممرضة، ومن ثم إعتنقت مبادىء النهضة والحزب. ( 34) وقد إنصرف سعاده خلال أوقات فراغه في العام 1941 إلى دراسة فلسفة عصر الإيمان، الذي إمتدّ بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر للميلاد، وشملت دراسة سعاده الفلاسفة والمفكرين أمثال بوتيوس وحنا الأورجيني والقديس أنسالم والقديس توما الأمويني ووليم أوكهام وسواهم . (20)

كان إنتاج سعاده الفكري غزيراً في هذه الفترة، فقد كتب سلسلة من الدراسات ظهرت بقلمه في جريدة " الزوبعة" بين عامي 1941 و1942. وقد تمّ جمع هذه الدراسات في الوطن في كتابيّ " الإسلام في رسالتيّه" و " جنون الخلود".

ويشكل الكتاب الأول أول دراسة من نوعها في مقارنة الأديان. حيث توصل عبر دراسته للدين كظاهرة إجتماعية ثقافية إلى تأكيد الوحدة الروحية للأمّة السورية في الإسلام الموّحد في رسالتيّه المسيحية والمحمدية. أما الكتاب الثاني فيتناول فيه أدب عصر الإنحطاط بالنقد الشديد، كما يضع مقاييس وقواعد للأدب القومي الصحيح بعد قيام النهضة. وأشار في مقال له نُشر في " الزوبعة" عدد 46 بتاريخ 15 حزيران 1942 حول دور الفلسفة القومية الإجتماعية في الفكر الإنساني الجديد بقول: " مما لا شك فيه أن النظريات الإجتماعية الإقتصادية من كارل ماركس وانغلز إلى الإجتماعيين الإقتصاديين الجدد قد ألقت نوراً قوياً على مشاكل المجتمع الإنساني الإقتصادية. ولكن الإشتراكية لم تتمكن من حل القضايا الإنسانية الإجتماعية المعقدّة، وعند هذه النقطة يبتدىء عمل الدماغ السوري الغني بالخصائص النفسية, ومن هذه النقطة تبتدىء الفلسفة السورية القومية الإجتماعية التي تقدم نظرات جديدة في الإجتماع بأشكاله النفسية والإقتصادية والسياسية جميعها؛ وهذا بحث واسع نود أن ينفسح لنا المجال لنعود إليه ونكشف عن أهمية التفكير القومي الإجتماعي الذي يقدم النظرة الجامعة للمذاهب الفكرية الإنسانية المتنافرة . (35)

وإنتهى سعاده من تأليف كتاب "الصراع الفكري في الأدب السوري" خلال عام 1942 وقد صدرت الطبعة الأولى في بوانس آيرس في 15 تشرين الأول ( أكتوبر) 1942. وفي هذا الكتاب نظرات جديدة في الأدب والفلسفة الإجتماعية، حيث حدّد سعاده دور المعلم والفنان والفيلسوف بقوله: " الفنان المبدّع والفيلسوف هما اللذان لهما القدرة على الإنفلات من الزمان والمكان وتخطيط حياة جديدة ورسم مُثُل عليا بديعة لأمّة بأسرها. فالمعلم، الفيلسوف، الفنان، القائد هو الذي يقدر أن يخطط تاريخاً جديداً لأمّته ويضع قواعد عصر جديد لشعبه". ( 36) ووصف نتائج حصول النظرة الفلسفية الجديدة بقوله: " إن من نتائج حصول نظرة فلسفية جديدة إلى الحياة والكون والفن، حدوث تغيير في مجرى الحياة ومظاهرها، وفي أغراضها القريبة والأخيرة، قبل كلّ شيء. وإن حصول النظرة الفلسفية الجديدة إلى الحياة والكون والفن يفتح آفاقاً جديدة للفكر ومناحي جديدة للشعور". ( 37)

وفي ذكرى تأسيس الحزب السوري القومي دُعي سعاده في 16 تشرين الثاني ( نوفمبر) 1942 ثانيةً إلى مدينة برغمينو حيث ألقى محاضرة حول الحركة السورية القومية الإجتماعية حضرها عدد كبير من أبناء الجالية السورية في المدينة. وإنصرف سعاده خلال عام 1942 إلى دراسة الفلسفة في القرن السادس عشر وعصرها المعروف بعصر المغامرات الفكرية، وشملت دراسته الفلاسفة : برونو، كامبانيلا، أراسموس، ميكافيلي، مونتانيية، بومبونازي، باراسيلوس، تيليسو ودافنشي وسواهم. (20)

زار سعاده مدينة قرطبة للمرة الرابعة في الأول من آذار ( مارس) 1943 حيث تحدث إلى القوميين الإجتماعيين وأفراد الجالية السورية حول البرنامج العملي الذي تقدّمه الحركة السورية القومية الإجتماعية لتحرير سورية من الإستعمار الغربي. كما زار مدينة خونين ( JUNIN) في حزيران( يونيو) 1943 حيث تفقد الفرع الحزبي هناك وألقى محضرة عامة حضرها جمع غفير من أبناء الجاليات السورية والعربية في المدينة.( 38). وإنتقل إلى مدينة توكومان ( عاصمة ولاية توكومان) في 16 تشرين الثاني ( نوفمبر) 1943 وإستقر فيها حتى أواخر عام 1946 حيث أسّس فيهل فرعاً نشيطاً للجمعية السورية الثقافية. وفي آب ( أغسطس) 1943 عقد قرانه على خطيبته الرفيقة جولييت المير، ورزق منها بعد ذلك ثلاث بنات. وقام خلال هذا العام بدراسات حول فلسفات وفلاسفة القرن السابع عشر. وعُرف هذا القرن في تاريخ الفلسفة بعصر العقل أو العقلانية لأن فلسفاته طغى عليها الطابع العقلاني, وشملت دراسات سعاده الفلاسفة : فرنسيس بيكون وغاليليو وهوبز وديكارت وباسكال وسبينوزا وليبنيتز. ( 20)

وزار مدينة خوخوي (JUJUY) في 18 شباط ( فبراير) 1944 بدعوة من الوحدة الحزبية هناك حيث ألقى كلمة توجيهية في جمع حاشد من أبناء الجالية السورية.

وواجه سعاده خلال عام 1944 أول مشكلة فكرية فلسفية من نوعها في الحزب. بدأت المشكلة عندما إعتنق الأمين فخري معلوف المذهب الكاثوليكي ( في أوائل عام 1944) بهوّس شديد، وحاول أن يقنع سعاده بأهمية المعتقد الكاثوليكي، ومن ثم إنتقد مقالاً لسعاده صدر في جريدة " الزوبعة" عدد 80 بتاريخ 4 أيلول 1944 بعنوان " نفوذ اليهود في الفاتيكان" ( 39). وخصص سعاده كل أوقات فراغه طوال العام 1944 لدراسة فلسفات القرن الثامن عشر، التي طبعت ذلك القرن بطابع التنوير (ENLIGHTMENT) حتى عُرف ذلك العصر الفلسفي بعصر الإستنارة، حيث تفتحت العقول والأفكار إلى طرق وأساليب جديدة في الحياة والعلم والفن. فدرس الفلاسفة : جون لوك وفولتير وجورج بركلي وديفيد هيوم وتوماس ريد ولامتري وهامان. ( 20)

وزار سعاده في ربيع 1945 مدينة مندوزا ( MENDOZA) بدعوة من الجالية السورية حيث تفقد أوضاع المغتربين وإجتمع إليهم في حفلة أُقيمت على شرفه وتحدث فيها عن " مستقبل سورية بعد الحرب". كما زار المركز الجامعي في الدينة، حيث يقوم أحدث معهد لدراسة الفلسفة في الأرجنتين يومذاك. والملاحظ خلال عام 1945 تبادل الرسائل العديدة بين سعاده والأمين السابق فخري معلوف حول العقيدة الكاثوليكية التي لخّصها الأمين معلوف لسعاده بقوله : " إنها الإيمان بالله الخالق المدّبر وبتجسد أحد الأقانيم الإلهية في شخص المسيح الذي عاش في التاريخ المعروف والمستوثق منه وأتى بالعجائب التي لا يمكن تعليلها بالعلوم الطبيعية، ومات وقام من الموت بوحدة الكنيسة المسيحية تحت رئاسة الأب الأقدس وعصمتها عن الخطأ في شؤون الإيمان والأخلاق، وبالحياة بعد الموت والحساب وبقدسية كتابيّ العهد القديم والعهد الجديد ". (40)

وقام سعاده في هذا العام بدراسة فلسفات القرن التاسع عشر التي تحولّت إلى عقائد إجتماعية وطبعت ذلك القرن بطابع العقائدية والمذهبية الإجتماعية والسياسية. فدرس فلسفات كانت ونخته وهيغل وشوبنهاور وميل وسبنسر وماركس وانغلز ونيتشه وكيركيغارد وماخ دراسة واعية . ( 20)
والجدير بالذكر أن سعاده، خلال الحرب العالمية الثانية، قد شدّد على الإستقلالية الفكرية والعقائدية والسياسية للحزب السوري القومي الإجتماعي، بحيث أصبح رائداً في سياسة عدم الإنحياز، لأنه في تقييمه للإستعمار لم يميز بين دوله وأنظمته. فقد أعلن بصراحة أن سياسة الحزب لا تخضع إلاّ للمبدأ الأساسي الثالث من مبادئه الأساسية، وهو المبدأ القائل: " مصلحة سورية فوق كل مصلحة".وقد أعلن بصراحة تامة أنه ليس مع الفاشية ولا النازية ولا الديمقراطية الغربية ( فرنسة وبريطانية والولايات المتحدة) ولا الشيوعية ولا البلشفية، ( 41) . ولذلك بقي القوميون الإجتماعيون إبان الحرب العالمية الثانية في السجون حتى بعد تسلم الجنرال دنيتز مقاليد الأمور في سوريا ولبنان ووجود البعثة الألمانية المشرفة على سلطات فيشي في بيروت. وكانت محاكم الإستعمار الفرنسي قد أصدرت إبان الحرب العالمية الثانية أحكامها بالسجن على قيادات الحزب وعدد من أعضائه. وتراوحت الأحكام بين العشرة والعشرين سنة ومثلها بالنفي، وقد نال سعاده غيابياً أقسى هذه الأحكام، عشرين سنة سجناً وعشرين سنة نفياً. (42) .

والمعروف أن السوريين القوميين قد خاضوا معركة إستقلال لبنان خلال شهر تشرين الثاني ( نوفمبر) 1943 ودعموا حكومة الإستقلال الأولى التي شُكلت في بشامون. وقامت الميليشيا السورية القومية الإجتماعية بمساعدة ومساندة حكومة الإستقلال والدفاع عنها. ووقف القوميون الإجتماعيون بصدورهم وسلاحهم في وجه المصفحات والدبابات الفرنسية التي زحفت إلى بشامون، فخاضوا معارك البطولة ضد الفرنسيين في عين عنوب وسرحمول، وخرّ البطل القومي الإجتماعي الشهيد سعيد فخر الدين شهيداً في سبيل إستقلال لبنان.

في مطلع عام 1946 بدأ سعاده يخطط عملياً للعودة إلى الوطن( موعدها ـ كيفيتها ـ موقف أعداء الحزب منها ـ موقف حكومات الكيانات السورية منها ـ الخ..) (43) . وفي أول أيلول ( سبتمبر) 1946 زار مدينة خوخوي للمرة الثانية بدعوة من الوحدة الحزبية هناك، ومكث فيها عدة أيام ثم رجع إلى توكومان، حيث بدأ بتصفية أعماله التجارية إستعداداً للعودة إلى الوطن. وأقامت الجالية السورية في توكومان حفلة عشاء وداعية على شرفه مساء يوم 30 تشرين الثاني ( نوفمبر) 1946. وغادر المدينة نهائياً إلى بوانس إيرس يوم 14 كانون أول ( ديسمبر) حيث ألقى محاضرة حول النهضة السورية الجديدة وأهدافها العملية بناء على دعوة من الجمعية السورية الثقافية، ثم زار مدينة قرطبة للمرة الأخيرة في 26 كانون أول بدعوة من المعهد الثقافي الأرجنتيني ـ العربي حيث ألقى محاضرة في جمع كبير من أبناء الجاليات السورية والعربية. وبقي في قرطبة مدة أسبوعين حيث أُقيمت على شرفه عدة حفلات وداعية. وإنصرف سعاده خلال أوقات فراغه في العام 1946 إلى دراسة الفلاسفة المعاصرين، فلاسفة القرن العشرين، وميزة فلسفات أولئك الفلاسفة أنها نزعت نحو التحليل المنطقي والرياضي. ولذلك أصبحت ميزة الفلسفة في هذا العصر أنها " تحليلية"، وأصبحت عملية " التحليل" هذه طابع عصرنا الفلسفي الحاضر. ودرس سعاده الفلاسفة: جورج مور وبنديتو كروتشة وجورج سانتايانا ونيقولا بردييف وهنري برغسون وألفرد نورث هوايتهد وجون ديوي وبرتراند راسل ورودولف كارناب ولودفيغ وتغنشتاين دراسة موضوعية تحليلية . ( 20)

وصل سعاده إلى بوانس ايرس قادماً من قرطبة في 10 كانون الثاني ( يناير) 1947. وفي نفس اليوم وجه رسالته الثانية إلى القوميين الإجتماعيين التي جاء فيها : آمنت بكم أمّة مثالية معلّمة وهادية للأمم، وبنّاءة للمجتمع الإنساني الجديد، قائدة لقوات التجدد الإنساني بروح التعاليم الجديدة التي تحملون حرارتها المحييّة وضيائها المنير إلى الأمم جميعها، داعية الأمم إلى ترك عقيدة تفسير التطور الإنساني بالمبدأ الروحي وحده، وعقيدة تفسيره من الجهة الأخرى بالمبدأ المادي وحده. والإقلاع عن إعتبار العالم، ضرورة، عالم حرب مهلكة بين القوة الروحية والقوة المادية، والى التسليم معنا بأن أساس الإرتقاء الإنساني هو أساس روحي مادي ( مدرحي). وأن الإنسانية المتفوقة هي التي تدرك هذا الأساس وتشيد صرح مستقبلها عليه. ليس المكابرون بالفلسفة المادية بمستغنين عن الروح وفلسفته ولا المكابرون بالفلسفة الروحية بمستغنين عن المادة وفلسفتها. إن العالم الذي أدرك الآن بعد الحرب العالمية الأخيرة مبلغ الهلاك الذي جلبه عليه قيام الفلسفات الجزئية الخصوصية ـ الفلسفات الأنانية التي تريد أن تحيا بالتخريب. أعني فلسفة الرأسمالية الخانقة وفلسفة الماركسية الجامحة، التي إنتهت في الأخير بالإتحاد مع ضدها المادية الرأسمالية بقصد نفي الروح والسيطرة المطلقة على أمم العالم وشؤونها. هذا العالم يحتاج اليوم إلى فلسفة جديدة تنقذه من تخبط هذه الفلسفات وضلالها. وهذه الفلسفة الجديدة التي يحتاج إليها العالم ـ فلسفة التفاعل الموحد الجامع لقوى الإنسانية ـ هي الفلسفة التي تقدمها نهضتكم " ( 44)

وغادر سعاده بوانس ايرس إلى سان باولو ( البرازيل) في 7 شباط ( فبراير) 1947، وفي 21 منه غادر سان باولو إلى لندن ( إنكلترا) بالطائرة في طريق العودة إلى الوطن.

الملاحظ أن وجود سعاده في المغتربات الأميركية كان له أثره الكبير في تنظيم وحدات حزبية قومية إجتماعية رائدة وفي شحن المغتربات الأميركية بالفكر القومي الإجتماعي الجديد، وبلغت رسائله إلى المغتربين من رجالات الحزب وأصدقائهم المئات وقد جمع عدد منها في أجزاء من آثاره الكاملة وفيها مناقشات وتوجيهات وتحليلات فكرية وتنظيمية وأدبية ومناقبية وفلسفية وسياسية. وكانت الجمعيات الثقافية والنوادي الأدبية والعلمية في الأرجنتين تدعوه لإلقاء المحاضرات وإدارة الندوات والمناقشات الفكرية كالنوادي الثقافية الإيطالية والفرنسية والألمانية والإسبانية والإسكندنافية والأميركانية المتواجدة في مدن بوانس ايرس وقرطبة وتوكومان وبرغمينو وافيلانيدا ومندوزا وخوخوي وخونين وسواها, ودُعي مرة لإلقاء محاضرة علمية في نادي الأمّة الأرجنتينية، وقد أعجب يومها الشاعر الأرجنتيني الكبير ماريو برافو ( MARIO BRAVO) ببلاغة سعاده وسِعة إطلاعه ومعرفته، فوصفه بأنه فيلسوف ناضج وعالم نابغ. ( 45)

وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية وإنهيار العقائد والأنظمة العالمية وتصادمها كان سعاده يطلّ على عالم الغد بنظرة جديدة غير النظرة المادية الأحادية وخلاف النظرة الروحية الأحادية. وقد وصف نظرته الجديدة بالمدرحية الوحدانية أو المادية ـ الروحية، وهي ـ كما مرّ معنا ـ نظرة فلسفية جديدة إلى الإنسان والإجتماع والتاريخ، لا علاقة لها بالماورائيات التي أكدّ الحزب على إحترامه للمعتقدات الدينية الماورائية التي يؤمن بها الأعضاء داخل الحزب وأفراد المجتمع خارج نطاق الحزب. ( 46)

كان سعاده أثناء وجوده في بوانيس ايرس قد إطلع على مؤلفات الفيلسوف الإسباني المعاصر ميكال دي اونامونو ( DE UNAMUNO) . كما أنه قابل شخصياً الفيلسوف الإسباني خوسيه أورتيغا ياغاسيت ( Y GASSET) عام 1940 في جامعة قرطبة. وكان ياغاسيت يومئذ مبعداً عن بلده لأسباب سياسية فكرية. وجرت المقابلة التي دامت حوالي نصف ساعة بعد محاضرة ألقاها ياغاسيت في دائرة الفلسفة في جامعة قرطبة في كانون أول 1940، وكان سعاده من المدعوين لسماع المحاضرة، وناقشه في موضوع حرية الإنسان والإرادة الحرة وحدودها الإنسانية والإجتماعية ( 47) . وحضر سعاده بعض الندوات الفلسفية التي كانت تعقد في معاهد الفلسفة في جامعات بوانس ايرس وقرطبة وتوكومان. كما أنه حضر بعض ندوات معهد الفلسفة في المركز الجامعي في مدينة ماندوزا. وقد أثار بعض المسائل الفلسفية الهامة مع الأساتذة : برنار دو بازا ولاديسلاو بودا وهيلدا دي بالدريش ولويز شاكون.( 48 ـ 49ـ 50ـ 51)

وذكرت مجلة PHILOSOPHIA التي يصدرها معهد الفلسفة في ماندوزا بعض أخبار تلك اللقاءات . ( 52) . وكان سعاده في الأرجنتين على إتصال مع كبار المفكرين والأدباء أمثال الكاتب الوجودي ادواردو مالييا ( MALLEA) والمؤلف خورجيه لويز بورغز ( BORGES) والرسام الواقعي بنيتو كونتيلا مارتن ( MARTIN ) والرسام السوريالي اميليو بنيتو روتي ( RUTI) والموسيقار الكبير واضع الأوبرات الحديثة البرتو جيناستيرا ( GINASTERA) وغيرهم، وكان يداوم على حضور المعارض الفنية والندوات الشعرية والإستماع إلى الالحان الموسيقية الكلاسيكية والسنفونيات العالمية. وبإختصار كان سعاده أثناء إغترابه القسري في البرازيل والأرجنتين يتابع يومياً الأخبار الثقافية والعلمية عن طريق الصحافة والمجلات الفكرية وكان على إتصال وثيق بكل الأحداث الفكرية والثقافية التي تجري في العالم، وكان يستغل كل زيارة يقوم بها إلى المدن البرازيلية والأرجنتينية من أجل المشاركة والمساهمة في ندوات فكرية وفلسفية مختلفة تُعقد في معاهد وجامعات تلك المدن .
 


العودة والثورة والإستشهاد                                                              [عودة][التالي]

عاد سعاده إلى الوطن بعد إغتراب قسري دام تسع سنوات سببه، كما ذكرنا، منع سلطات الإنتداب الفرنسي له من العودة إلى ساحة الوطن خوفاً من دوره ومواقفه القومية المعروفة من الإستعمار وأعوانه. وفي طريق العودة حطّت به الطائرة، التي حملته من لندن، في مطار القاهرة بعد ظهر نهار 28 شباط ( فبراير) 1947، حيث قابله في القاهرة نعمة ثابت رئيس المجلس الأعلى في الحزب آنذاك وعدد من قياديي الحزب ليضعوه في صورة ما إعتبروه " تطورات جديدة". وكان الحزب بقيادة نعمة ثابت قد إنحرف عن فكر سعاده القومي الوحدوي الداعي للوحدة القومية متخذاً من الواقع اللبناني الجديد حيزاً لعمله دون سائر كيانات الأمّة السورية ( لبنان وفلسطين وسوريا والأردن والعراق والكويت) مسلماً بواقع التجزئة الكيانية التي فرضها الإستعمار في معاهدة سايكس ـ بيكو ومنحرفاُ عن نهج الحزب الثوري. لكن الرّد على منهج المتراجعين جاء في خطاب سعاده الذي ألقاه في الجماهير الشعبية والصفوف الحزبية التي إستقبلته عند وصوله إلى مطار بيروت في 2 آذار( مارس) 1947 حيث قال: " كلمتي إليكم أيها القوميون الإجتماعيون العودة إلى ساحة الجهاد" بهذا إختتم سعاده خطاب العودة. وثبّت من جديد هوية الحزب القومية رافضاً تدجين الحزب أو إحتواءه من قبل النظام الكياني اللبناني.

وعلى اثر خطاب العودة الثوري الذي جدّد فيه موقف الحزب أصدرت الحكومة اللبنانية في 4 آذار مذكرة توقيف بحق سعاده. فإعتصم في المناطق القومية الإجتماعية في جبال لبنان مدة سبعة اشهر حتى عمدت الحكومة إلى إلغاء تلك المذكرة في 9 تشرين أول ( أكتوبر) 1947. وبالرغم من مذكرة التوقيف والملاحقات المتتالية خاض سعاده المعارك السياسية والإصلاحية على كافة الأصعدة: أدان التزوير لإرادة الشعب اللبناني الذي حدث في الإنتخابات النيابية اللبنانية التي جرت في أيار ( مايو) 1947 ووجه نداءاته إلى الشعب اللبناني بهذا الصدد، ووضع برنامجاً سياسياً للحزب في الإنتخابات طرح فيه مبادىء الإصلاح السياسي والإقتصادي والإجتماعي المرحلي للبنان. ولم يزل ما طرح من مبادىء ومقترحات العلمنة وفصل الدين عن الدولة وإصلاح الإدارة والقضاء على الفساد وتنظيم الإقتصاد وبناء الدولة الحديثة وتمتين علاقة لبنان بمحيطه القومي دفاعياً وإقتصادياً وثقافياً وسياسياً، يأتي في مقدمة بنود الإصلاح السياسي والإقتصادي والإجتماعي التي تُطرح حتى اليوم في برامج الجبهات والحركات العربية السياسية الوطنية والقومية. ( 53)

أسس سعاده جريدة " الجيل الجديد" في بيروت في أواخر عام 1947 وكانت الجريدة الرسمية الناطقة بلسان الحزب السوري القومي الإجتماعي. كما أنه وجّه إلى القوميين الإجتماعيين رسالة خاصة بشأن فلسطين في 2 تشرين ثاني ( نوفمبر) 1947 بعد أن منعت الحكومة اللبنانية الحشد القومي الإجتماعي الذي دعا إليه سعاده بهذا الخصوص. وسعى جاهداً لتأمين السلاح للقوميين الإجتماعيين للقتال في فلسطين ولكن الرجعية العربية رفضت إعطاءه السلاح، ومع ذلك فقد قاتلت فرقة قومية إجتماعية بين اللّد والرملة، وعُرفت بإسم " فرقة الزوبعة" بقيادة الرفيق مصطفى سليمان وأبلت بلاءً متميزاً في القتال ضد المنظمات الإرهابية الصهيونية خلال الأشهر الأولى من عام 1948.

شهد عام 1947 عملية تطهير في قيادة الحزب، حيث أقدم سعاده على طرد نعمة ثابت ومأمون أياس لأسباب سياسية وإدارية بتاريخ 9 تموز ( يوليو). وكان ثابت قد وضع منهاجاً للعمل الحزبي عُرف بإسم " الواقع اللبناني" وألقاه في إجتماع بعقلين سنة 1944. وكان هذا المنهاج خروجاً على العقيدة السورية القومية الإجتماعية. كما طرد سعاده من حزبه فايز صايغ وغسان تويني وكريم عزقول ويوسف الخال في أواخر عام 1947 لأسباب فلسفية وعقدية تتلخص بخروجهم على القواعد الدستورية في الحزب وعلى الأساس العقائدي الروحي للحركة. وفي نفس الوقت نشر ما توصل إليه في دراسته وبحثه حول تحديد الوطن السوري. وهو أن المنطقة الجغرافية التي تقع شرقي دجلة والفرات، والتي تمتد من الخليج الفارسي ـ العربي في الجنوب الشرقي حتى إلتقاء سلسلة جبال البختياري مع سلسلة جبال طوروس في الشمال الغربي والتي تضّم منطقة الأحواز، هي جزء لا يتجزأ من سورية التاريخية ـ الجغرافية، وكذلك وجد أن الكويت وقبرص وكيليكية تقع ضمن مفهوم الوطن السوري والأمّة السورية. وبذلك تعدّل نص المبدأ الأساسي الخامس للحزب من " الوطن السوري هو البيئة التي نشأت فيها الأمّة السورية، وهي ذات حدود جغرافية تميزها عمّا سواها، تمتد من جبال طوروس في الشمال إلى قناة السويس في الجنوب، شاملة شبه جزيرة سيناء وخليج العقبة ومن البحر السوري في الغرب إلى الصحراء في الشرق حتى الإلتقاء بدجلة " إلى النص التالي: " الوطن السوري هو البيئة الطبيعية التي نشأت فيها الأمّة السورية، وهي ذات حدود جغرافية تميّزها عن سواها، تمتّد من جبال طوروس في الشمال الغربي وجبال البختياري في الشمال الشرقي، إلى قناة السويس والبحر الأحمر في الجنوب شاملة شبه جزيرة سيناء وخليج العقبة، ومن البحر السوري في الغرب شاملة جزيرة قبرص، إلى قوس الصحراء العربية والخليج العربي في الشرق، ويعبر عنها بلفظ عام : الهلال السوري الخصيب ونجمته جزيرة قبرص" ( 54) . وأعلن سعاده في نفس الوقت عن إضافة صفة " الإجتماعي" إلى إسم الحزب. فأصبح منذ ذلك الحين يُعرف بإسم " الحزب السوري القومي الإجتماعي". وإنصرف سعاده في هذه الأثناء إلى مراجعة الدراسات التاريخية حول حضارات الشعوب السورية القديمة وخاصة تاريخ الحضارة السومرية. ( 55)

وكان سعاده قد وجّه رسالة إلى عميد الثقافة والإذاعة في الحزب فايز صايغ بتاريخ 30 تشرين الثاني ( نوفمبر) 1947، بعد عودة الأخير من رحلة إذاعية إلى منفذية الشاطىء الذهبي ( غانا حالياً)، جاء فيها
" إن إجتهادكم الشخصي في تعليم النظرة البرديابيفية من مراكز الحزب العالية التي وصلتم إليها يدلّ على أنكم لم تهتموا بدرس العقيدة القومية الإجتماعية ونظرتها ولم تأخذوا بعين الإعتبار أن الحركة نشأت على عقيدة أي فلسفة إجتماعية كاملة موجودة في المبادىء وفي كتابات المعلم وشروحه في كتبه وخطبه ومحاضراته وأحاديثه وفي قدوته. وإن الواجب الطبيعي لهذه الحركة تثبيت عقيدتها وإنتصارها ككل حركة في العالم تقوم على تعاليم أساسية. إن هذه الحقيقة الأساسية لا تتضارب مطلقاً مع مبدأ الحرية الذي يعني إجازة إنحياز كل أصحاب عقيدة بعضهم إلى بعض للسعي لتحقيق عقيدتهم، ولا تعني مطلقاً وجوب إجازة العمل ضمن نطاق العقيدة الواحدة لعقيدة غيرها مخالفة لها أو رامية إلى هدمها. وكما كان إستمراركم في العمل على رأس بعض الأجهزة الإدارية العليا على أساس نظرة الفلسفة الشخصية الفردية المخالفة لنظرة الفلسفة القومية الإجتماعية يعرّض الحركة القومية الإجتماعية إلى البلبلة والتفسخ بتأثير عدد كبير أو قليل من الأعضاء بتعاليم المدرسة الكركيقاردية ـ البرديابيفية من غير أي تنبيه للهدف الأخير الذي ترمي إليه ولمخالفته لهدف الحركة القومية الإجتماعية الأخير، وبسبب إهمال شرح تعاليم نهضتهم، فإني أطلب منكم إعادة النظر في إتجاهكم الفلسفي وعملكم الإذاعي والإدلاء إليّ بموقفكم من العقيدة القومية الإجتماعية وإعتباراتها الأساسية وبأهداف عملكم الإذاعي" . ( 56)

والملاحظ أن فايز صايغ قد أدخل تعاليم كيركيغارد وبردييف في صلب المفاهيم الفلسفية للحزب السوري القومي. لأن الحزب يومذاك، نظراً لغياب سعاده الطويل، لم تكن قد توضّحت تعاليمه ومفاهيمه الفلسفية بعد، فظّن فايز صايغ أنه يخدم الحزب والعقيدة بإقتباس تعاليم فلسفية جديدة. والمعروف أن نظرة فايز صايغ القومية، بعد طرده من الحزب السوري القومي الإجتماعي، قد تطورت في الخمسينيات من القرن الماضي، إنطلاقاً من نظرية سعاده ( البيئة تقدم الإمكانيات لا الحتميات). فإعتبر أن العالم العربي يجتاز مرحلة تطور وإنتقال من واقع أمم متمايزة إلى مرحلة التفاعل والتكامل الإقتصادي والإجتماعي والثقافي ليصل في المستقبل إلى وحدانية الشخصية القومية والوعي القومي الكامل وبالتالي الأمّة الواحدة والنظام السياسي الواحد. فالعالم العربي ـ حسب نظرة فايز صايغ ـ بدأ أربعة أمم متمايزة وهو الآن ليس أمماً متعددة ولا أمّة واحدة، وفي المستقبل سيصبح أمّة واحدة. والمعتقد أن مشكلة فايز صايغ الفلسفية، ومن قبلها مشكلة فخري معلوف اللاهوتية، قد جعلتا سعاده يسارع إلى إنهاء كتابه حول " الفلسفة المدرحية" في أواخر عام 1947.

وأصدر سعاده عام 1948 مجلة " النظام الجديد" لتحمل خطط ومفاهيم التفكير الجديد ـ التفكير والفكر القومي الإجتماعي ـ ومخططات النظام الجديد الذي تسير الحركة القومية الإجتماعية بالأمّة نحوه كما ترسمها مدرسة الفكر القومية الإجتماعية. ( 57). كما أنه أعاد تنظيم الندوة الثقافية بحيث أصبحت ندوة للدراسات والأبحاث الفكرية الإجتماعية والإقتصادية والعلمية والفلسفية. وألقى سعاده المحاضرات العشر التي شرح فيها مبادىء الحركة السورية القومية الإجتماعية الأساسية والإصلاحية وغايتها كجزء من برنامج الندوة الثقافية. وكانت المحاضرة الأولى في 7 كانون الثاني( يناير) 1948 والمحاضرة العاشرة في 4 آذار( مارس) من نفس العام. وما كاد سعاده يبتدىء بإلقاء سلسلة الدروس العقدية في الندوة الثقافية حتى توّلد تيار فكري ـ روحي جديد حرّك أوساط النهضة القومية الإجتماعية وأوساط مدينة بيروت الثقافية. وكان الإقبال على سماع المحاضرات من دور العلم وأوساط الثقافة من خارج نطاق الحركة القومية الإجتماعية كبيراً. ( 58 ). وفي محاضرة سعاده التي ألقاها في مؤتمر المدرّسين القوميين الإجتماعيين الذي عُقد في 17 تموز ( يوليو ) 1948 وردت عدة إشارات إلى الفلسفة المدرحية حيث قال:

" وتعلمون أن الحزب السوري القومي الإجتماعي يحمل رسالة القومية الصحيحة إلى الأمّة السورية ورسالة الحياة القومية الإجتماعية وفلسفتها المدرحية إلى الأمّة السورية والى الأمم جميعاً. فالنهضة السورية القومية الإجتماعية، إذن، هي حدث تاريخي خطير، هي أعظم الأحداث التاريخية التي مرّت بهذه الأمّة شأناً بلا إستثناء. وإذا نظرنا في مهمة الحزب السوري القومي الإجتماعي الذي يحمل رسالة النهضة السورية القومية الإجتماعية وجدنا أنها أشق مهمة ظهرت في تاريخ أية أمّة من الأمم. فليس، ولم يك قط، للفوضى التي تتخبط فيها الأمّة السورية مثيل، ولم يبلغ الفساد في أمّة من الأمم، في أي وقت من الأوقات، مبلغه في أمتنا إلى هذا الوقت ". ( 59)
 

شهدت مرحلة 1947 ـ 1949 كارثة فلسطين الأولى ( 15 أيار 1948) وبوادر القطيعة بين لبنان والشام ( سوريا) التي تكرّست عام 1951. وقد كان لسعاده في الموضوعين مواقف قومية مميزة. لقد حمّل سعاده السياسات العشائرية والإقطاعية مسؤولية كارثة فلسطين كما حمّل المسؤولية للإستعمار البريطاني وإتفاقية سايكس ـ بيكو والتجزئة الكيانية. وبعد فشل الأنظمة العربية وإنفضاح أعمال الشعوذة في الحرب المسرحية التي شنتها على إسرائيل في 15 أيار ( مايو) 1948، قام سعاده بحملة سياسية فكرية عقدية على مؤسسات الإنعزالية اللبنانية والرجعية العروبية حيث نشرت له جريدة " كل شيء" الأسبوعية البيروتية سلسلة مقالات فكرية سياسية ثورية منها " العروبة أفلست" ( 60) و" الإنعزالية اللبنانية أفلست" ( 61) و " إنتصار القومية السورية يحقق الجبهة العربية القوية" ( 62) وذلك خلال شهري كانون الثاني وشباط 1949. وكانت مقالات سعاده سلاحاً ماضياً في معترك الصراع الفكري ـ العقائدي الذي خاضته النهضة ضد مفكري النيورجعية. كما كان لها أثرها الكبير في نشر الوعي القومي الجديد في أوساط الشعب السوري عامة، لأنها أزاحت عن بصيرة الأمّة غشاوات القضايا الوهمية والرجعية. وكانت للرجعية الجديدة ردود على مقالات سعاده دبجتها أقلام أنيس النصولي وعبد الله المشنوق ومحي الدين النصولي والدكتور نبيه فارس. وجاءت ردودهم ضعيفة الفكر، مشوشة المنطق وبعيدة عن القوانين والمقولات العلمية. وجاء رد عمدة الإذاعة في الحزب السوري القومي الإجتماعي بتاريخ 5 شباط ( فبراير) 1949 على تلك الردود والتعليقات رداً قوياً حاسماً، إعتمد على قواعد العلم والمنطق وقام على حجج الفكر والعقل، فسكتت تلك الأقلام. وتابعت " كل شيء" نشر مقالات سعاده " حاربنا العروبة الوهمية لنقيم العروبة الواقعية" ( 63) و " حاربنا لننقذ اللبنانيين " ( 64) .
وعلى العموم، إستطاعت مقالات سعاده أن توجه أفكار فئة كبيرة من المواطنين في الوطن وعبر الحدود نحو العمل لتحقيق وحدة الهلال السوري الخصيب. وأصبحت هذه الوحدة بعد مأساة فلسطين تمثل الرد العملي الوحيد الذي يضمن التصدّي بوجه إسرائيل الحديثة، والذي يكفل بالتالي إنقاذ فلسطين من براثن الصهيونية. والملاحظ تاريخياً أن شعوب الهلال الخصيب كانت تنزع دائماً للوحدة كلما تحسست بالخطر الأجنبي يداهمها. وهنا لا بد لكل مَن يدرس حياة سعاده ليؤرخ ويكتب سيرته بصدق وموضوعية من تسجيل ملاحظة هامة. وهي أن أيام النصف الأول من عام 1949 كانت أعظم أيام سعاده حركةً وحيويةً ودماسةً ونشاطاً وإنتاجاً وعملاً دائباً في شتى الميادين الفكرية والعقائدية والفلسفية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية. ففي خطاب الأول من آذار ( مارس) 1949 يعلن سعاده قوله:
" كل ما فينا هو من الأمّة وكل ما فينا هو للأمّة. الدماء التي تجري في عروقها عينها ليست ملكنا هي وديعة الأمّة فينا ومتى طلبتها وجدتها.. إن الحياة وقفة عز فقط. الحياة لا تكون إلاّ في العز، أما العيش فلا يفرق بين العز والذل. وما أكثر العيش في الذل حولنا.. إن لنا في الحرب سياسة واحدة، هي سياسة القتال. هذه هي سياستنا الواحدة في الحرب. أمّا السياسة في السلم، فهي أن يُسلم أعداء هذه الأمّة للأمّة بحقها ونهضتها ". ( 65)
وجرى في نيسان ( أبريل) 1949 لقاء فكري هام بين سعاده والدكتور شارلز موريس، أحد أقطاب الفلسفة المعاصرة في الولايات المتحدة وأستاذ الفلسفة في جامعة شيكاغو، وذلك أثناء زيارة عابرة قام بها إلى بيروت. وتمّ اللقاء بناءً على موعد سابق أشرف على تدبيره الأمين د. هشام شرابي. وقد سرّ د. موريس بهذا اللقاء الفكري وأُعجب بأفكار سعاده وطروحاته الفلسفية . ( 66)
ووجّه سعاده بمناسبة عيد العمل ( أول أيار) 1949 نداءه المشهور إلى منتجي ثروة الأمّة وبنّائي مجدها. ويُعتبر هذا النداء وثيقة فكرية هامة حول نظرية الإقتصاد القومي الإجتماعي وجاء فيه: " القومية الإجتماعية تعني توزيع غنى لا توزيع فقر. إطرحوا عنكم الرأسماليين المتاجرين بأتعابكم الذين يترأسون جمعياتكم ونقاباتكم بواسطة خونة قضيتكم القومية الإجتماعية. إنزعوا عن رقابكم سيطرة الإقطاعيين الذين يتظاهرون بالمطالبة بحقوقكم ليبعثروا مجهودكم. إقصوا الشيوعيين الذين يستغلون سوء حالكم ليسخرّوكم لحرب ليست حربكم". ( 67)
وفي خطابه أمام طلبة الجامعة الأميركانية في 16 أيار لفت أنظار الطلبة إلى أهمية الدور الذي تعمل الحركة القومية الإجتماعية على تحقيقه وإنجازه بقوله: " إن الحركة القومية الإجتماعية قد نقلت الأمّة السورية من المعميات والتخبط في مسائل العصر الحديث إلى الوضوح في القضايا والمقاصد، إلى إدراك الأسس الصحيحة التي يُمكن أن يقوم عليها مجتمع صحيح قوي ودولة عزيزة ذات سيادة فاعلة. إن الحركة السورية القومية الإجتماعية قد حققت شيئاً أساسياً داخلياً وهو الوعي القومي وإتخاذ القومية عاملاً روحياً، عاملاً موحداً للقلوب والأفكار، موجهاً القوى القومية في إرادة واحدة وعمل منظم واحد نحو غايات الأمّة العظيمة". ( 68)
وكتب سعاده على أثر تصديق حكومة دمشق الإنقلابية لإتفاقية التابلاين في أيار 1949، موجهاً أنظار العرب ولأول مرة إلى أهمية البترول كسلاح عالمي بقوله: " يتضح من مجرد تصديق إتفاقية التابلاين الأميركانية أننا لم نستعمل هذا السلاح البترولي للحدّ من تأييد الولايات المتحدة لليهود في لوزان وفلسطين والأمم المتحدة وتركنا الولايات المتحدة تستمر في تأييدها لليهود وجازيناها بتصديق إتفاقية حسّاسة هامة تهمها جداً. هذا السلاح الثمين لم نستعمله وأسلحة غيره كثيرة تبقى بدون إستعمال، وننتظر مع كل ذلك، أن نربح الجولات المقبلة في حرب الموت أو الحياة مع الغزاة الصهيونيين". ( 69)
وكانت إنتخابات المختارين في لبنان في أواخر أيار( مايو) 1949 فاجعةً للرجعيين بالنسبة لنتائجها التي أحرز فيها الحزب السوري القومي الإجتماعي أكثر من 70 بالمئة في أغلب المناطق وفي غيرها مئة بالمئة. وقد عرفت الأوساط الرجعية أن نهايتها قد قاربت إذا ما إستمرّ الحال على هذا الشكل من نمو وإزدياد نفوذ الحزب حتى في المناطق التي كانت تعشعش فيها الرجعية من طائفية وإقطاعية. وزاد حنق هذه الأوساط عندما وقف الحزب القومي الإجتماعي إلى جانب الحكومة السورية عند إعتقال السلطات اللبنانية للنقيب أكرم طبارة ورفقائه في حادثة مقتل كامل الحسين، الجاسوس الإسرائيلي يوم 10 أيار 1949، وكان لمذكرة الحزب الحقوقية دوي كبير في جميع الأوساط، وكانت الشرارة الأولى التي سببت حادثة الجميزة وما رافقها من ذيول مؤلمة.
في هذه المرحلة الحرجة من العلاقات المتوترة بين السلطات اللبنانية والحزب، عمد رئيس وزراء لبنان رياض الصلح في 2 حزيران 1949 إلى تشكيل جبهة موحدّة من حزبيّ الكتائب ( ماروني) والنجّادة ( مسلم سنّي)، ودُعي على الأثر مجلس الأمن الداخلي إلى إجتماع مستعجل ليلاً ـ وكان مؤلفاً من رئيس الوزراء وقائد الجيش العام وقائد الدرك ومدير الشرطة ومدير الأمن العام. فقرر هذا المجلس حل الحزب السوري القومي الإجتماعي ومداهمة القوميين والقضاء على الحزب في جميع أنحاء لبنان وإعتقال زعيمه وكبار رجالاته ومنفذيه. وحُدد موعداً لتنفيذ هذا القرار نهار السبت في 11 حزيران. ولم يكن رئيس الكتائب بمنأى أو بمعزل عن الخطة المبيتة. إذ أنه إستشير في أقوم خطة وأضمنها يُمكن إتباعها في سبيل تحقيق مقررات مجلس أمن الدولة اللبنانية، بعد أن أُخذ رأي النائب العام الإستثنائي في الحجة التي يجب التذرع بها. وأُبقي أمر تاريخ تنفيذ القرار سرياً جداً، ولكن قيادة الكتائب إتخذت قراراً آخر جاء تنفيذه قبل الموعد الذي حددته الحكومة اللبنانية بمدّة 48 ساعة.
وهاجم الكتائبيون مساء يوم الخميس في 9 حزيران مكاتب جريدة " الجيل الجديد" الناطقة بلسان الحزب السوري القومي الإجتماعي في محلة الجميزة ( بيروت) وأحرقوا مطابعها. وفي خلال ساعتين كانت عمليات التعقيبات والإعتقالات قائمة على قدم وساق في جميع أنحاء لبنان، وصدرت مذكرة توقيف بحق سعاده. ونشطت حملة إعتقال القوميين الإجتماعيين بالمئات. وتمكن سعاده من مغادرة بيروت يوم 14 حزيران ودخول دمشق مع عدد من المسؤولين في الحزب، والمعروف أن قوات الأمن اللبنانية صادرت أوراق الحزب ووثائقه أثناء عمليات التعقيبات والإعتقالات، وكان من بين الأوراق المصادرة مخطوطة كتاب" الفلسفة المدرحية" الذي وضعه سعاده ولم يكن قد طُبع بعد، ورفضت السلطات اللبنانية من إعادة تلك الأوراق الفكرية الهامة إلى ذوي سعاده بعد إعدامه.
وأعلن سعاده الثورة القومية الإجتماعية الأولى في 4 تموز ( يوليو) 1949 لإسقاط حكم الطغيان والفساد والتزوير، معتمداً على تحالفه مع حسني الزعيم، الذي بدا وكأنه قائد إنقلاب تقدمي . ( 70) ولكن حسني الزعيم أقدم على نقض تعهداته لسعاده نتيجة للمؤامرات الدولية والضغوط الدولية والعربية والمصالح والأطماع الشخصية، فسلّم سعاده إلى السلطات اللبنانية ليلة 6/7 تموز، وقد إشترط عليهم أن يتمّ إغتياله وهو في الطريق من دمشق إلى بيروت. لكن تهيّب مدير الأمن العام اللبناني ( المير فريد شهاب) أوصل سعاده إلى المحكمة العسكرية. فعُقدت جلسة سريعة وبصورة سرية بناءً على إلحاح حكام دمشق وبيروت والقاهرة، حيث إستُنطقَ وحُوكمَ وحُكمَ ونُفذَ فيه حكم الإعدام خلال أربع وعشرين ساعة، وقد غادر محامي الدفاع النائب اميل لحود قاعة المحكمة إحتجاجاً على عدم إعطائه الوقت الكافي للإطلاع على أوراق الدعوى وهو يقول" إني أشمّ رائحة البارود". وإرتجل سعاده في المحكمة دفاعاً بليغاً إستغرق ساعة ونصف . ( 71)
إستقبل سعاده حكم الموت هادئاً ونام قرير العين في زنزانته في سجن الرمل ( بيروت) الساعات القليلة التي فصلت بين الحكم عليه وتنفيذ حكم الإعدام، وحين أيقظه الحارس سأله: "هل حان الوقت؟". ثم طلب فنجان قهوة وسيجارة. ومشى مع جلاديه إلى مكان الإستشهاد ثابت الخطى. وحين سأل ما إذا كان ضرورياً عصب عينيه وقال :" أنا لا أخشى الموت" قيل له:" إنه القانون" فقبل تنفيذ أحكام القانون..وحين أُركع أحسّ بحصى تحت ركبته تؤلمه، فطلب نزعها وحين نُزعت إبتسم وقال لجلاديه" شكراً" .( 72) وكان إستشهاده في الثامن من تموز 1949 في الساعة الثالثة والثلث صباحاً.

ملاحظة : كتبت هذه السيرة في عام 1979 لتكون الفصل الأول من كتاب ( سعاده والفلسفة: مقدمة في المدرحية) لذي لم يُنشر بعد. وقد وردت بعض وقائع هذه السيرة في كتابي ( أضواء على أزمة الفكر العربي المعاصر) المنشور عام 2000 في بيروت، الذي كان بمثابة ردّ على كتاب ( الجمر والرماد) لمؤلفه د. هشام شرابي. وعند كتابة هذه السيرة كنت لا أزال في صف الإلتزام الحزبي. ويلاحظ القارىء أنني حرصت على إستخدام التعابير والمصطلحات الحزبية القومية الإجتماعية في نصوص هذه السيرة أما نقلاً مباشراً عن المصادر التي رجعت إليها، وأمّا تعبيراً عفوياً عن المصطلحات المستخدمة في ممارسات الإلتزام الحزبي. وإنني بالرغم من إنفكاك عرى الإلتزام المذكور وتحرري من قيوده منذ ربع قرن فإني ما زلت أنظر بتقدير وإحترام إلى سعاده المفكر والمعلم والفيلسوف العربي المعاصر الذي قدّم الحلول الرائدة لمشاكل المجتمعات العربية وقدّم حياته في سبيل تحقيق مبادئه، وما زلت أعتبر فلسفته المدرحية فلسفة العصر الرائدة.

 


ماهية الحركة السورية القومية الإجتماعية                               [ عودة ]

الحركة السورية القومية الإجتماعية هي أول حركة فكرية قومية ثورية عقائدية منظمة عرفها العالم العربي في القرن العشرين. وقد وضع الفيلسوف الإجتماعي أنطون سعاده في 16 تشرين الثاني ( نوفمبر) 1932 مبادئها وأهدافها ونظّم مؤسساتها، وقادها طوال سبعة عشر عاماً واستشهد في سبيل تحقيق إنتصارها في الثامن من تموز ( يوليو) 1949. وإستهدفت هذه الحركة التاريخية الرائدة والواعدة منذ قيامها بعث نهضة جديدة شاملة وإقامة نظام جديد ينقذ الأمّة السورية العربية ( المجزأة إلى كيانات سياسية متعددة) والعالم العربي بأسره من أوضاع التفسخ والتفكك والتجزأة والإنحلال والإحتلال الأجنبي والفوضى الداخلية وجميع العلل والمساوىء والمفاسد والأمراض النفسية والإجتماعية السائدة في المجتمع السوري وجتمعات العالم العربي الأخرى. وكانت أول حركة سياسية عربية فكرية تمثل الإستجابة المخلصة الواعية للتحدّي الصهيوني الإستيطاني في المشرق العربي. وقد إستمدّ سعاده مبادىء هذه النهضة وتعاليمها من تراث ونفسية الأمّة السورية وتاريخها الحضاري الثقافي الغني بالبطولات والأمجاد والمكتشفات والمعارف والفنون والمنجزات الفكرية على إختلافها. ولا شك بأن أعظم ميزات سعاده بين زعماء حركات التحرير القومية في العالم أنه نجح في بناء المواطن ـ الإنسان بناءً نفسياً إجتماعياً فكرياً عقائدياً جديداً. ولا شك بأن بطولة وثبات وصبر وإيمان ووعي وإخلاص السوريين القوميين الإجتماعيين الذين إستشهدوا على خشبات الإعدام وفي ميدان معارك التحرير القومية ضد جيوش المنتدب الفرنسي والبريطاني والمغتصب الصهيوني دليلاً واضحاً على صحة ومتانة المبادىء وشدّة وصلابة الإيمان لدى القوميين الإجتماعيين بهذه المبادىء. وقد وصف سعاده هذه الحركة التاريخية في إحدى محاضراته حيث قال:
" إن غاية الحركة السورية القومية الإجتماعية بعيدة المدى عالية الأهمية لأنها لا تقتصر على معالجة شكل من الأشكال السياسية. بل تتناول القومية من أساسها وإتجاه الحياة القومية.. نحن حركة تتناول ما هو أبعد كثيراً من مصالح فئة جزئية محدودة في الوطن والأمّة.. نحن حركة تتناول حياة الأمّة كلها بمجموعها . تتناول الحياة القومية من أساسها والمقاصد العظمى للحياة القومية كلها وليس لجزء واحد منها." ( 73)
" نحن لسنا حزباً سياسياً يخدم مصالح فئة معينة بل حزب يعبّر عن مصلحة الأمّة، عن المصالح القومية كلها ويسير لتحقيق المصالح القومية كلها، بالتضحية. بتضحية أفراد وفئات كبيرة وعديدة منّا. بألوف من القوميين المستعدين لتحمل جميع أنواع الآلام وخوض جميع المعارك لنصرة قضية الأمّة وحق الأمّة في الحرية والإتحاد وحق الأمّة في الحياة الجيدة المثالية. إن غرض الحزب هو توجيه حياة الأمّة السورية نحو التقدم والفلاح. هو تحريك عناصر القوة القومية فيها لتحطيم قوة التقاليد الرّثة وتحرير الأمّة من قيود الخمول والسكون إلى عقائد مهترئة، والوقوف سداً منيعاً ضدّ المطامع الأجنبية التي تهدّد مصالح ملايين السوريين وكيانهم، وإنشاء تقاليد جديدة ترسخ فيها نظرتنا إلى الحياة ومذهبنا القومي الإجتماعي." ( 74)
" إن وجود هذه النهضة في وحدتها الحقيقية الطبيعية وفي ذاتيتها الصحيحة هو الدليل الواضح القاطع على إمتياز هذه النهضة على كل الأعمال الغير مستمدّة من حقيقة المجتمع الإنسانية، وإمتيازها لأنها تقيم نظاماً فكرياً، عقلياً، إجتماعياً، جلياً، صحيحاً قد أقامته في وسطها وهو يمتدّ، وكل الدلائل تدلّ على أنها ستقيمه في الوطن السوري كله".
"إن القومية السورية هي الطريقة العملية الوحيدة والشرط الأول لنهضة الأمّة السورية وتمكينها من الإشتغال في القضية العربية, إن الذين يعتقدون أن الحزب القومي الإجتماعي يقول بتخلي سورية عن القضية العربية، لأنهم لا يفهمون الفرق بين النهضة السورية القومية الإجتماعية والقضية العربية قد ضلّوا ضلالاً بعيداً. إننا لن نتنازل عن مركزنا في العالم العربي ولا عن رسالتنا إلى العالم العربي. ولكننا نريد قبل كل شيء أن نكون أقوياء في أنفسنا لنتمكن من تأدية رسالتنا. يجب على سورية أن تكون قوية بنهضتها القومية الإجتماعية لنستطيع القيام بمهمتها الكبرى." ( 75)
وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن الحزب في لبنان إستعاد نشاطه بسرعة، بالرغم من النكبة الكبرى التي حلّت به وشملت إعدام زعيمه وستة من أعضائه وزج المئات من قادته وأعضائه في السجون. ولم تمضِ أشهر قليلة على النكبة حتى عادت تنظيماته إلى العمل السرّي في سائر أنحاء لبنان بعد أن بدأ الحزب بممارسة نشاطه العلني المرخص له في سوريا بعد إنقلاب الحناوي ( 14 آب 1949) وإعدام حسني الزعيم ورئيس وزرائه محسن البرازي. وقد لعب الحزب السوري القومي الإجتماعي أكثر من دور في الأحداث السياسية والعسكرية اللبنانية والسورية التي جرت بعد إعدام زعيمه، وخاصة في الإنقلابات ومحاولات الإنقلاب التي جرت في سوريا ولبنان بعد عام 1949. وكان له دوره المميز في المقاومة اللبنانية ضدّ الإحتلال الإسرائيلي إلى جانب أحزاب وحركات وقوى المقاومة اللبنانية.
وفي الختام نستعرض فيما يلي مقتطفات سريعة من الآراء المختارة حول سعاده والحركة السورية القومية الإجتماعية لعدد من الكّتاب والمفكرين قيلت ونشرت بعد إستشهاد سعاده:
1- كتب غسان تويني إفتتاحية في جريدة " النهار" جاء فيها:
" أنطون سعاده يؤمن بالتاريخ، ويعرف أن التاريخ يذكر الذين أُعدموا ولا يذكر الذي أَعدم. وما تاريخنا سوى تلك الأجيال الطالعة التي كانت تبحث في الماضي القريب عن إنسان يحب بلاده حتى الموت لتمشي وراءه، حياً أو ميتاً." (76)
2- كتب الشهيد المرحوم كامل مروة إفتتاحية في جريدة " الحياة" ذكر فيها:
" لقد مات سعاده في سبيل عقيدة ولدت شخصيته معها وذابت فيها حتى النفس الأخير. هذه هي الحقيقة التي ترافق إعدامه مهما قيل في أسبابه وفي تلك العقيدة. وهو ولا ريب أول لبناني أُعدم لأسباب سياسية منذ الحرب العظمى في بلد لم يعرف منذ جيل معنى الدم في سبيل العقيدة، إذ طغت فيه الطائفية والسياسة والمناصب على الفضائل القومية، وحالت دون تركيزه في قلوب أبنائه تركيزاً منسجماً." (77)
3- كتب الصحافي جبران مسوح في جريدة " الحقيقة" الصادرة في البرازيل مقالاً ذكر فيه: " أنطون سعاده أوجد قضية قومية من صميم الشعب لا علاقة لها بالخارج وجمع تحت لوائها المسلم والمسيحي ليموتا في سبيلها برضاهما وإختيارهما وهي معجزة لم يستطعها أحد قبله. إن البطون الشرقية يجب أن تستريح ألف سنة لعلها تستطيع بعد ذلك أن تحمل مثل أنطون سعاده. سعاده عرف جميع أمراض المجتمع وسمى كل مرض بإسمه بلا خوف ولا تردد. فهو في ذلك من أكبر المصلحين الذين ظهروا على وجه الأرض في جميع العصور." (78)
4- وجاء في إستجواب الشهيد النائب كمال جنبلاط للحكومة اللبنانية في 9 أيلول 1949 قوله:
" وفي الواقع وفي نظر كل من إطّلع على خفايا الأمور، لقد تدخلت بعض الدول الأجنبية المعروفة في قضية سعاده وضغطت بحيث أن أكثر الأعمال الإعتباطية التي صدرت عن الحكومة اللبنانية بهذا الشأن إزاء الحزب القومي ومن ضمنها المحاكمة والقضاء على سعاده وبعض أتباعه بهذه السرعة وبهذا الشكل قد تمّت بناءً على توصيات وتدخلات وتأثيرات دول أجنبية وعربية معروفة." (79)
5- وجاء في كتاب ( سعاده والحزب القومي) لمؤلفه عبد الغني العطري قوله:
" في إعتقادي أن حركة الزعيم سعاده لا تقل عن حركات التحرير والبطولة التي قامت في العالم، والتي كانت تهدف إلى النهوض بأمّة من الأمم، وبعث الروح القومية فيها وإنقاذها من التفكك والإنحلال والجهل. ولعلّ من أكبر ميزات الزعيم سعاده بين زعماء حركات التحرير في العالم، أنه وضع مبادئه ولم يترك تطبيقها للزمن، بل طبّقها بنفسه ثم على المقتنعين بمبادئه. وأوجد فئة من الناس تعتنق المبادىء القومية وتعمل بها، وتعيش لأجلها وتموت، وهو لعمري أمر لم تألفه هذه البلاد في حزب من الأحزاب قبل اليوم. وبطولة القوميين الذين سيقوا إلى ساحة الإعدام وفي ساعة الموت بصورة خاصة، أكبر دليل على ما نقول. وظّل سعاده يكافح ويناضل في سبيل مبادئه كفاح الأبطال، إلى أن أدرك أن حياته طريق لفوز مبادئه، فضحّى بها وذهب إلى الموت ليلقاه رابط الجأش، باسم الثغر عارفاً أن الحياة وقفة عزّ وأن الموت طريق الحياة." (80)
6- وكتب الباحث المؤرخ المعروف ساطع الحصري في كتابه ( العروبة بين دُعاتها ومعارضيها) بحثاً جاء فيه:
" لم يظهر في العالم العربي إلى الآن حزب يضاهي الحزب السوري القومي في الإهتمام بالدعاية المنظّمة التي تخاطب العقل والعاطفة معاً، وفي التنظيم الحزبي الذي يعمل بلا إنقطاع في السر والعلن. وقد إستطاع هذا الحزب بفضل تنظيماته، أن يوجد تياراً فكرياً وسياسياً قوياً جداً في سورية وفي لبنان" (81)
7- وكتب الباحث د. مجيد خدوري في كتابه ( الإتجاهات السياسية في العالم العربي) فصلاً جاء فيه:
" أظهر أنطون سعاده من البداية، خلاف معاصريه من الزعماء، إخلاصاً كاملاً لمهمته. فصرف كل وقته وطاقته في نشر مبادئه، دون أن يكترث لأي كسب أو إمتياز شخصي. وتصور نفسه كالأنبياء الأولين، صاحب رسالة أُلقي على عاتقه نشرها مهما كان الثمن. ولم تشهد سورية في تاريخها المعاصر قائداً تحلّى بهذا القدر من الإيمان والحماسة وقوة الشخصية وسحرها." (82)
8- ووصف الباحث المؤرخ يوسف أسعد داغر في موسوعته( الفكر العربي في سير إعلامه) بقوله:
" أنطون سعاده مفكر لبناني، أديب، بعيد الغور في ثقافته، كاتب إجتماعي درس نشوء الأمم ووضع فيه أبحاثاً جديدة تتصف بالأصالة والجدّة، ألسُني، أحسن مع العربية والإنكليزية والألمانية والإسبانية والبورتغالية. وهو مؤسس الحزب السوري القومي الإجتماعي وزعيمه ومشترعه وواضع رسالته القومية." (83)
9- وكتب د. كمال الحاج، أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية في كتابه ( موجز الفلسفة اللبنانية) قائلاً:
" أنطون سعاده دفع بالسياسة والفلسفة إلى آخر حدود الإلتزام، إلى التحزب، بالحزب وفي الحزب، تسيست الفلسفة وتفلسفت السياسة. إن سعاده فيلسوف قبل كل شيء وفوق كل شيء... بفضله، ولأول مرة، تتفلسف الحزبية فتتحزب الفلسفة" ( 84)
10- وكتب د. هشام شرابي، أستاذ الفلسفة في جامعة جورجتاون، واشنطن في كتابه ( الجمر والرماد) قائلاً:
" كان لدى سعاده " كرزما" هائلة، من الصعب تفسير تأثيرها.. في كلامه وتحركه سيطرة تامة، لا يرفع صوته ولا يؤشر بيديه. كان في معاملته مع كل من يلاقيه لطيفاً رقيقاً، وطيلة معرفتي به لم أشاهده مرةً يعامل أحداً بخشونة أو تكبر، بل كان دائماً أديباً شديد الحساسية لمشاعر الآخرين. ولا أذكر مرةً أنه أمرني بالقيام بعمل ما. فإذا أراد شيئاً طلبه بشكل غير مباشر، بالتلميح أو التعبير عن ضرورة إنجازه تاركاً المبادرة لمَن يعنيه الأمر. وكان يعالج جميع الموضوعات والمشكلات بالأسلوب نفسه." (85)
11- ووصف د.ناصيف نصار، أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية أعمال سعاده في كتابه ( الطريق إلى الإستقلال الفلسفي) بقوله:
" وفي حقيقة الأمر، إذا نظرنا في شخصية أنطون سعاده وأفعاله، في ضوء تصورنا المحدد للنظام الإيديولوجي ولعلاقته بالفاعلية الإجتماعية.. لتبين لنا بوضوح كلي أن مؤسس الحزب السوري القومي الإجتماعي كان يهدف، بواسطة كتاباته العقائدية وأعماله السياسية، إلى نقض الوجود السوري العربي التقليدي العتيق، والى بناء مجتمع سوري عربي جديد، متخلص من عقدة التبعية والتخلف الإقتصادي، على أساس فلسفة إنسانية إجتماعية جديدة، وأنه كان بذلك، وفي ظروف السيطرة الإنتدابية الإستعمارية وما نتج عنها في منطقة الهلال الخصيب، يكمل ويعمّق وينّظم تياراً يضرب بجذوره في إنتفاضات النهضة وتفجراتها، منذ بداياتها في القرن التاسع عشر." (86)
 

لائحة المراجع والحواشي
1- جبران جريج- صباح الخير- البناء عدد 185-3/3/1979 - ص.63
2- أنطون سعاده – سيرة ريادة وشهادة – منشورات عمدة الإذاعة – أول آذار1981 -ص.93
3- نفس المصدر السابق - ص.6
4-حدث عندما عبرت الباخرة مضيق جبل طارق ودخلت مياه البحر الأبيض المتوسط، أن تجمع البحارة الطليان حول القبطان وهم يهتفون " هذا بحرنا" ( MARE NOSTRUM) وهو تعبير كان يطلقه الرومان على البحر المتوسط. وتأثر سعاده لهذا التصرف، فصرخ بهم بالإيطالية أيضاً " بل هذا بحرنا". فسأله القبطان: " مَن أنت ومن أي بلد تكون؟" فأجابه:" إسمي أنطون سعاده، وبلدي سورية". وبدأ نقاش بين سعاده والقبطان الإيطالي إنتهى بإقتناع الأخير بأسبقية السوريين الشرقيين ( الفينيقيين) والغربيين ( القرطاجيين) على شق عباب البحر المتوسط وتعمير شواطئه وإستكشافها قبل سواهم.
5- سعاده – النظام الجديد – الحلقة السابعة – حزيران 1950 - ص.3 – 5
6- أنطون سعاده - سيرة ريادة وشهادة – منشورات عمدة الإذاعة – أول آذار 1981 – ص. 7
7- سعاده – المحاضرات العشر – دمشق 1952 – ص. 36 و 39 و40 و41
8- سعاده – دستور الحزب السوري القومي الإجتماعي – دمشق 1952
9- د.كمال الحاج – فلسفة اللغة – بيروت 1957- ص. 175-184
10- سعاده – النظام الجديد – الحلقة السابعة – حزيران 1950 - ص.29
11- أنطون سعاده - سيرة ريادة وشهادة – منشورات عمدة الإذاعة – أول آذار 1981 – ص. 10-11
12- سعاده – نشوء الأمم – الطبعة الثانية – دمشق 1951 - ص. 45
13- جبران جريج – صباح الخير– البناء – عدد 172- 2/12/1978 - ص.63
14- سعاده – كتاب التعاليم – بيروت 1972 - ص.50
15- أنطون سعاده - سيرة ريادة وشهادة – منشورات عمدة الإذاعة – أول آذار 1981 – ص. 12 و 32
16-جبران جريج – صباح الخير– البناء – عدد 213 – 15/9/1979 - ص.63
17- لا شك في أن السبب الذي دعاني للبحث عن هوية وتعيين شخصية الفيلسوف الأميركاني الذي إجتمع إلى سعاده وناقشه وأعطى رأيه في فلسفته هو أهمية الشهادة التي أدلى بهذا هذا الفيلسوف أمام الأمين فخري معلوف ود. شارل مالك وسواهم من شهود الحال في ذلك الحين، حيث قال لسعاده في ختام الحوار: إنني لم أجد في جميع مَن إجتمعت بهم وناقشتهم من قبل ما وجدته في نظراتك وحججك من قوة البيان ودقة النظر ومتانة الفكر والحجة." إن هذه الشهادة الرائعة من فيلسوف أميركاني معاصر تستوجب البحث لتعيين شخصية قائلها. أولاً لمعرفة القيمة والأهمية الفكرية للشاهد، وثانياً لإدراك معرفة القيمة والأهمية الفكرية والفلسفية للمشهود له سعاده. ولا شك في أن عدم توفر الوثائق التفصيلية المكتوبة والتسجيلات الدقيقة لتلك اللقاءات والمناقشات والندوات والأحاديث الفلسفية التي كانت تتم بين سعاده ومجموعة من المفكرين تشكل صعوبات كبيرة أمام الباحث في فلسفة سعاده. وإن مثل هذه الصعوبات نواجهها في لقاء سعاده مع برايتمان عام 1938 في بيروت، وفي لقائه مع ياغاسيت في قرطبة ( الأرجنتين) عام 1940، وفي لقائه مع سفير بولونية عام 1948 في بيروت وفي لقائه مع د. شارلز موريس عام 1949 في بيروت. والمؤسف أن الأحاديث لم تُسجل، بالرغم من أنها كلها كانت ذات طابع فلسفي جديد مميز، ولا أسماء الأشخاص وأماكن اللقاءات ذُكرت بالتفصيل في بعض الأحيان، ولا التواريخ كُتبت بدقة في أحيان أخرى. وقد إتجهت أفكاري في بداية البحث والتنقيب ( عام 1970) من أجل تعيين هوية ذلك الفيلسوف الأميركاني إلى الدكتور هلموت ريتشارد نيبور ( NIEBUHR) ( 1894-1962). ولأن د.نيبور أستاذاً للاهوت البروتسطنتي في جامعة ييل YALE عام 1938. وفي ذلك العام زار مصر وفلسطين ولبنان وتركيا في رحلة دراسية، وله مجموعة كبيرة من الكتب والدراسات والمقالات والمراجعات وكلها تدور حول المسيحية، وهو من الذين ساهموا بإحياء فلسفة كيركيغارد في القرن العشرين ومن المعجبين أيضاً بفلسفة بردييف. ولكن الأدلّة والقرائن التي توفرت لدي فيما بعد ( عام 1979) جعلتني أعتقد أن ذلك الفيلسوف كان الدكتور ادغار شيفيلد برايتمان BRIGHTMAN ( 1884 – 1953). وكان د. برايتمان أستاذاً للفلسفة في جامعة بوسطن منذ عام 1919 وله نظرة فلسفية مميزة. تأثر بفلسفة أفلاطون، وله وجهة نظر أفلاطونية في تفسير نظرية الصانع الإلهي، وكان يعتقد أن الكوارث الطبيعية من زلازل وفيضانات وأعاصير وبراكين ثائرة، التي تصيب الإنسان لا علاقة لها بذنوبه وفساده بل هي نتيجة ما أسماه " الشر الصامت". من مؤلفاته" القيم الدينية والفلسفة الجديدة" 1925، و"مشكلة الله" 1930، و"إكتشاف الله" 1931، و" الشخصية والدين" 1934، و"فلسفة الدين" 1940، و" الحياة الروحية" 1942. زار برايتمان مصر وفلسطين ولبنان وتركيا عام 1938 في رحلة دراسية من أجل جمع ما يمكن من وثائق ومعلومات حول موضوع كتاب جديد كان يعمل على تأليفه حول القيم الروحية. وأثناء زيارته للجامعة الأميركانية ببيروت، جرى لقاء ونقاش فلسفي بينه وبين سعاده في منزل الأمين السابق فخري معلوف وحضور د. شارل مالك وسواه في إحدى أمسيات آذار 1938.
18- سعاده – النظام الجديد – الحلقة العاشرة – أيلول 1950 - ص.13 – 14
سعاده – شروح في العقيدة – آذار 1958 – ص. 6 – 7
19- سعاده – النظام الجديد – الحلقة العاشرة – أيلول 1950 - ص.17 – 18
سعاده – شروح في العقيدة – آذار 1958 – ص. 9
20- كنت قد بدأت عام 1953 بإعداد دراسة حول " سعاده والمدرحية" نُشر جزء منها في أواخر عام 1956 تحت عنوان " الصراع العقائدي المعاصر بين ماركس وسعاده." وأثناء إعدادي لتلك الدراسة زرت الأمينة الأولى مرتين متواليتين في دمشق في نفس العام ( 1953) لأجل الحصول على معلومات كافية حول مطالعات سعاده الفلسفية والتحري عن الكتب التي كانت تتوفر في مكتبته الخاصة. لأنني أعتقد بأن معرفة مطالعات الإنسان وقراءاته طريق إلى معرفة نوازعه وهواجسه الفكرية حسب قول المثل الألماني " قل لي ماذا تقرأ أقل لك مَن أنت!" وعلمت يومها من الأمينة الأولى أن مكتبة سعاده في توكومان كانت تضّم أكثر من ألفيّ مجلد في شتى العلوم والفلسفات والآداب في مختلف اللغات التي كان يتقنها. وعندما بدأ سعاده يستعد للعودة إلى الوطن إختار من مكتبته مجموعة قيّمة تضم 711 مجلداً وقرر شحنها إلى الوطن. وكتب سعاده بخط يده أسماء هذه المجلدات على لائحة طويلة. وفُقدت هذه اللائحة بعد حادث الجميزة مع الكثير من تلك الكتب. وتتوزع هذه المجموعة بالنسبة للمواضيع كما يلي: 5 % معاجم وموسوعات علمية وأدبية وفلسفية متفرقة، 15 % علوم طبيعية متفرقة مثل الرياضيات والفلك والفيزياء والكيمياء والأحياء والطب الخ، 20 % كتب فلسفية بحتة وتاريخ فلسفة، و40 % آداب من شعر ونثر ونقد وتحليل وفنون وموسيقى الخ.. وأما بالنسبة للغات الموضوعة بها تلك المجموعة فهي كما يلي: 22 % ألمانية، 20 % إنكليزية، 16 % فرنسية، 14 % إسبانية، 12 % إيطالية، 9 % بورتغالية و7 % عربية. وأمّا ما تبقى من مجلدات المكتبة في توكومان فقد أهداها سعاده إلى مكتبات الجمعية السورية الثقافية في بوانس إيرس وفروعها في توكومان وقرطبة قبل عودته إلى الوطن. وقد إستطعت أن أتبسط في توضيح دراسات سعاده الفلسفية من خلال عناوين الكتب التي كان يطالعها وشهادات المقربين الذين ذكروا تلك الكتب في مقالاتهم وتعليقاتهم المنشورة.
21- جبران جريج – صباح الخير– البناء – عدد 219 – 27/10/1970 – ص.61
جبران جريج – صباح الخير– البناء – عدد 220 – 3/11/1979 – ص.61
22- جبران جريج – صباح الخير– البناء – عدد 221 – 10/11/1979 – ص.63
جبران جريج – صباح الخير– البناء – عدد 287 – 14/2/1981 – ص.65
" ألقى سعاده خطاباً في نادي همبولط ( HUMBOLDT KLUB) في برلين في 23 تشرين الأول ( أكتوبر) 1938 جاء فيه أن إنتشار المبادىء والنظريات السورية القومية في العراق ونشوء الحزب القومي العراقي على مثال الحزب السوري القومي سيسمحان بالتعاون السياسي والإقتصادي بين سورية والعراق، وبإنتهاج سياسة عمرانية تقضي في المستقبل على جدب الفلاة الممتدة بين البلدين، فيتحول الإختلاف البيئي بينهما إلى تكامل وتجانس بيئي إجتماعي ـ ثقافي ـ إقتصادي واجد ممّا يؤّدي، في المستقبل، إلى إمكانية إنشاء " سوراقية" ( الإسم الذي إستعمله سعاده للوحدة السورية ـ العراقية). ولا ننسى أن العراق كان أكثر من مرة جزءاً من إدارة الدول التي قامت في غرب الهلال الخصيب في عهود الدول السلّوقية والأموية، وكذلك كانت سورية جزءاً من إدارة الدول التي قامت في شرق الهلال الخصيب في عهود الدول الأشورية والبابلية والفارسية والعباسية."
23- جبران جريج – صباح الخير– البناء – عدد 279 – 20/12/1980 – ص.64
جبران جريج – صباح الخير– البناء – عدد 234 – 9/2/1980 – ص.62 – (حول إعتقال سعاده في سان باولو)
24- راجع مجلة
ANAIS- SOCIEDAD BRASILEIRA DE FILOSOFIA
No 3-4- 1939
PRACA DA REPUBLICA 54-RIO DE JANEIRO- BRASIL
25- عندما وصل سعاده إلى بوانس إيرس نزل في أوتيل الطربوش، يملكه مواطن سوري من النبك من عائلة طربوش. وبعد إقامة قصير إنتقل إلى شقة في شارع شاكابوكو ـ حي كوراليس.
إنظر جبران جريج – صباح الخير– البناء – عدد 243 – 12/4/1980 – ص.62
جبران جريج – صباح الخير– البناء – عدد 287 – 14/2/1981 – ص.65
26- جبران جريج – صباح الخير– البناء – عدد 252 – 14/6/1980 – ص.62-63
جبران جريج – صباح الخير– البناء – عدد 288 – 21/2/1981 – ص.65
27- سعاده – النظام الجديد – الحلقة السابعة – حزيران 1950 - ص.78
جبران جريج – صباح الخير– البناء – عدد 260 – 9/8/1980 – ص.63
جبران جريج – صباح الخير– البناء – عدد 263 – 30/8/1980 – ص.62
28- إنظر مجلة سورية الجديدة – عدد 67 – 25 أيار 1940
جبران جريج – صباح الخير– البناء – عدد 265 – 13/9/1980 – ص.61 - 62
29- سعاده – النظام الجديد – الحلقة 11– تشرين أول 1950 - ص.88-89
30- جبران جريج – صباح الخير– البناء – عدد 265 – 13/9/1980 – ص.61 – 62
31- جبران جريج – صباح الخير– البناء – عدد 287 – 14/2/1981 – ص.64
32- سعاده – النظام الجديد – الحلقة 11– تشرين أول 1950 - ص.88-89
33- سعاده – الإسلام في رسالتيه – الطبعة الثانية – بيروت – 1958 – ص. 102
34- جبران جريج – صباح الخير– البناء – عدد 286 – 7/2/1981 – ص.64
35- سعاده – شروح في العقيدة – آذار 1958 – ص. 18
36- سعاده – الصراع الفكري في الأدب السوري – الطبعة الثالثة – بيروت- 1956 – ص. 41
37- نفس المصدر السابق – ص. 66
38- سعاده – النظام الجديد – الحلقة 11– تشرين أول 1950 - ص.31
39- سعاده – النظام الجديد – حلقة 18– كانون ثاني، شباط، آذار 1951 - ص.9 -14
40- سعاده – شروح في العقيدة – آذار 1958 – ص. 26
41- سعاده – سيرة ريادة وشهادة – عمدة الإذاعة – أول آذار – 1981 – ص. 14 – 15
42- نفس المصدر السابق – ص. 16
43- سعاده – شروح في العقيدة – آذار 1958 – ص. 31
44- نفس المصدر السابق – ص. 159 - 160
45- جبران جريج – صباح الخير– البناء – عدد 287 – 14/2/1981 – ص.65
46- أنطون سعاده – سيرة ريادة وشهادة – عمدة الإذاعة – أول آذار 1981 – ص. 14
47- الإسم الكامل للفيلسوف الإسباني المذكور هو JOSE ORTEGA Y GASSET أنظر مجلة STROMATA – No 2 & 3 , CORDOBA,ARGENTINA 1940
UNIVERSIDAD NACIONAL DE CORDOBA
FACULTAD DE FILOSOFIA Y HUMANIDADES
48- BERNARDO BAZA
49- LUIS CHACON
50- LADISLAO BODA
51- HILDA DE BALDRICH
52- أنظر مجلة PHILOSOPHIA, 1942,1943,1944,1945
INSTITUTO DE FILOSOPHIA
FACULTAD DE FILOSOPHIA Y LETRAS
CASSILLA DE CORREO 345, CENTRO UNIVERSITARIO, MENDOZA, ARGENTINA
53- سعاده – النظام الجديد – حلقة 14 – كانون الثاني 1951 – ص. 47 - 56
54- سعاده – كتاب التعاليم – 1972 – ص. 35-40
سعاده – المحاضرات العشر – 1952 – ص. 70 - 81
55- د. هشام شرابي – الجمر والرماد – بيروت – 1978 – ص. 79
56- سعاده – النظام الجديد – حلقة 15 – شباط 1951- ص. 89 -90
57- سعاده – النظام الجديد – حلقة 14 – كانون الثاني 1951- ص. 5 – 8
سعاده – شروح في العقيدة – 1958 – ص. 157 - 160
58- عبد الله قبرصي – صباح الخير – البناء – عدد 234 – 9/2/1980 – ص. 61
ذكر الأمين عبد الله قبرصي في زاويته ( عبد الله قبرصي يتذكر) أن سعاده ناقش السفير البولوني في بيروت حول المدرحية في كانون الثاني 1948 وقال: " أعتقد أن السفير البولوني، بعد أن طرحنا عقيدتنا بين يديه، بأوجهها الأساسية والإصلاحية، لم يلفت نظره من الجديد فيها إلاّ جانبها الفلسفي. ويبدو أنه كان مغرماً بالفلسفة, فناقش سعاده طويلاً حولها وراح يقارن بينها وبين الماركسية والفاشية. هنا أيضاً كان التحسر على أن الحوار الذي دار لم يُسجل.. فقد توسع سعاده في التفاصيل لأول مرة.."
وأنا بدوري أشارك الأمين قبرصي بالتحسر لأن الحوار لم يُسجل ولأن إسم السفير لم يُذكر. أمّا الإسم فيمكن التنقيب عنه ومعرفته. وأمّا الحديث فسنبقى نتحسر من أجله لأنه ليس بالإمكان الحصول عليه إلاّ إذا توفرت الأمور التالية:
1- إذا كان السفير البولوني في بيروت عام 1948 ما زال على قيد الحياة
2- إذا كان ما يزال يتذكر تلك الأمسية مع سعاده في منزل الأمين قبرصي
3- إذا كان بالإمكان الإتصال به حالياً
4- إذا كان مستعداً للكلام أو الكتابة حول ذلك الحوار
59- سعاده – النظام الجديد – حلقة 14 – كانون الثاني 1951 - ص .23
60- سعاده – جريدة كل شيء – عدد 95 – 20 كانون الثاني 1949
61- سعاده – جريدة كل شيء – عدد 96 – 27 كانون الثاني 1949
62- سعاده – جريدة كل شيء – عدد 97 – 3 شباط 1949
63- سعاده – جريدة كل شيء – عدد 98 – 10 شباط 1949
64- سعاده – جريدة كل شيء – عدد 99 – 17 شباط 1949
65- سعاده – النظام الجديد – حلقة 7 – حزيران 1950 - ص .117 – 118
66- د.هشام شرابي – الجمر والرماد – بيروت 1978 – ص. 113
67- سعاده – النظام الجديد – حلقة 15 – شباط 1951 - ص .69 - 76
68- سعاده – شروح في العقيدة – آذار 1958 – ص. 175 - 176
69- سعاده – النظام الجديد – حلقة 15 – شباط 1951 - ص .77 -79
70- عبد الغني العطري – سعاده والحزب القومي – دمشق - 1950 – ص. 162 – 205
71- أنطون سعاده – سيرة ريادة وشهادة – عمدة الإذاعة – 1981 – ص. 21
72- نفس المصدر السابق ونفس الصفحة
73- سعاده – المحاضرات العشر – دمشق – 1952 – ص. 148
74- سعاده – المحاضرات العشر – دمشق – 1952 – ص. 149
75- سعاده – المحاضرات العشر – دمشق – 1952 – ص. 153
76- أنظر جريدة " النهار" – عدد 4240 – 10 تموز 1949
77- أنظر جريدة " الحياة" – 9 تموز 1949
78- أنظر جريدة " الحقيقة" عدد 269 – ريو دي جانيرو – 1949
79- أنظر إستجواب كمال جنبلاط للحكومة اللبنانية في 9 أيلول 1949
80- عبد الغني العطري – سعاده والحزب القومي – دمشق – 1950- ص. 3 – 4
81- ساطع الحصري – العروبة بين دُعاتها ومعارضيها – بيروت – 1952 – ص. 70
82- د.مجيد خدوري – الإتجاهات السياسية في العالم العربي – بيروت 1972 - ص. 200
83- يوسف أسعد داغر – الفكر العربي في سير إعلامه جزء 3- بيروت 1972- ص.546
84- د.كمال الحاج – موجز الفلسفة اللبنانية – بيروت 1974- ص. 597/654
85- د.هشام شرابي- الجمر والرماد – بيروت 1978- ص. 75-76
86- د.ناصيف نصار – الطريق إلى الإستقلال الفلسفي – بيروت 1979- ص. 77
 

www.ssnps.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع