|
يعتبر أنطون سعاده من أبرز المفكرين الاجتماعيين
والسياسيين الذين عالجوا الموضوع الديني وتأثيره في القضايا الاجتماعية
والسياسية. وقد تميز عن سواه، بإيلاء هذا الموضوع أهمية خاصة، برزت في معالجته
العلمية العميقة والجذرية، للشأن الديني وما يتفرع عنه، من قضايا ومسائل، تطال
الواقع الاجتماع وتؤثر عليه بشكل سلبي خطير يهدد وجوده ومصيره. ولم يكتف سعاده
بالمعالجة النظرية لهذا الموضوع، بل أسس حزباً يقدم في مبادئه الأساسية
والإصلاحية حلولاً جذرية للمشاكل الناجمة عن مزج الدين بالسياسة، واختلاط
السياسة بالدين. كما وضع القواعد لإنشاء المؤسسات المدنية القومية في إطار
الحزب السوري القومي الاجتماعي، لتشكل البديل عن المؤسسات التقليدية القائمة في
المجتمع والخالية من أي أساس قومي.
لقد نشر سعاده العديد من المقالات والأبحاث التي تعالج الموضوع الديني وما
يتفرع عنه، خلال فترة تبدأ من قبل تأسيسه الحزب سنة 1932 وتمتد حتى تاريخ
اغتياله من قبل النظام اللبناني في 8 تموز 1949.
ولم يحِد سعاده في كل كتاباته عن التقيد بالمنهج العلمي الصارم في معالجة هذا
الموضوع الشديد الحساسية، سواء في ما كتبه في نشوء الأمم (1938) أو في سلسلة
الأبحاث التي كتبها بين 1940 و1942 تحت عنوان "جنون الخلود" ونشرها في جريدة
الزوبعة في الأرجنتين. أو في شروحه لمبادئ الحزب في ما عرف بالمحاضرات العشر
(1948) أو في غيرها من المقالات العديدة والمتنوعة التي تعالج الموضوع الديني
بشكل مباشر أو غير مباشر.
في منهج سعاده العلمي
يستند سعاده في مجمل دراساته وأبحاثه على الحقائق العلمية الثابتة. ويتجنب أي
تأويلات أو افتراضات نظرية بعيدة عن الواقع، ولا يمكن التثبت منها بالبرهان
العلمي.
وفي دراسته للموضوع الديني لم يلجأ سعاده إلى التوفيق بين الأديان والمذاهب،
الموجودة في الوطن السوري، كما ادعى بعض الكتاب السطحيين، الذين بنوا آراءهم
غير العلمية، على أقوال لسعاده مجتزأة من سياقها العام وموضوعها الكلي.
لقد أشار سعاده إلى الخلاف حيث يوجد خلاف، وإلى التوافق حيث يوجد توافق، مميزاً
بين "الاعتقاد" والتعليم. وبين التعليم والقانون، مبيناً أثر البيئة في الدعوة
الدينية، وانقضاء عهد الدولة الدينية. وما هي حدود الدائرة الدينية وحدود دور
رجال الدين.
يؤكد سعاده في أبحاثه حول الموضوع الديني على ضرورة :
· "التفكير الوضعي الذي به يكون التمييز بين الحقائق الفعلية والأوهام" (جنون
الخلود ص 252).
وفي رسالته الثانية إلى غسان التويني في 7 نيسان 1946 يقول عن فخري المعلوف:
"يريد تقرير شؤون الإنسان الاجتماعية والسياسية والنفسية بالإيمان بالافتراضات
الدينية الاصطلاحية التي يسميها "حقائق" وبإحلال الإيمان محل العقل والعلم
والبرهان" (شروح في العقيدة ص 44).
· يستند سعاده إلى مجاري الفكر العلمي:
ويعتبر أن تفكير فخري المعلوف وتفكير شارل مالك، هما من تفكير القرون الوسطى
الذي لم يتأثر بمجاري الفكر العلمي. ويقول في رسالته الرابعة إلى غسان التويني
في 26 أيار 1946: "فخري المعلوف الذي لم يصل إلى غير النتيجة التي تقدَّمه
إليها الدكتور شارل مالك الذي وجد زبدة الفلسفة في الفلسفة الدينية والفلاسفة
الكلاسيكيين الإلهيين، ولم يتأثر بمجاري الفكر العلمي التي أظهرت الفلسفات
العصرية،.. من اجتماعية ومادية ولا مادية وغيرها. فبقيت القضايا الإنسانية
الكبرى محدودة له في نطاق الفكر القديم". (شروح في العقيدة ص 53).
· يرفض سعاده الاستناد إلى الأفكار الشائعة:
يقول بهذا الخصوص: "إن التعاليم المسيحية شائعة، وكذلك التعاليم الإسلامية،
ولكن شيوع هذه التعاليم لا يعني دائماً أن الشائعة عندهم درسوها ومحّصوها
وفهموها فهماً كلياً أو مستوفى، بل قد يعني، وهو الأصح، أن من الجهالة الاستناد
إلى هذا الشيوع غير المضبوط، خصوصاً قي مجتمع لا يزال فيه بقية كبيرة من انحطاط
الثقافة ونقص العلم" (جنون الخلود ص 120).
· المنهج الشامل في المعرفة:
في معالجة سعاده للموضوع الديني والمقارنة السقيمة (بين الإسلام والمسيحية)
تظهركم يجهل رشيد الخوري التاريخ الاجتماعي والتاريخ السياسي للبشرية، ومقدار
جهله عوامل نشأة المسيحية في بيئتها وعوامل نشأة الإسلام في بيئته" (جنون
الخلود ص 86).
ويقول أيضاً: "إن الحكم على دين بكامله بأخذ آية واحدة من آياته وتجريدها من
موضوعها المتعلقة به، وتأويلها أسوأ تأويل، ليس جهالة رشيد الخوري وحده، بل
جهالة قسم كبير من العامة المسيحية والإسلامية، وجهالة عدد غير قليل من الخاصة
الناقصي الثقافة، المغترين بزيادة بعض نواحي إطلاعهم على نواحي إطلاع الأميين".
(جنون الخلود ص 113).
· الترابط بين الدعوة والبيئة:
يؤكد سعاده على قاعدة أساسية هي الترابط والتجانس بين الدعوة والبيئة، فيقول
بهذا الصدد: "كل دعوة مهما كان ابتداؤها أو غرضها الأخير عاماً. شاملاً لجميع
النوع الإنساني، فإن نظرتها إلى الحياة والكون يجب أن تكون منطبقة على خصائص
البيئة التي تنشأ فيها، واستعدادها الروحي، فلا يمكنها أن تشذ عن استعداد
بيئتها إلا إذا خرجت منها، أو وجهت إلى غيرها المخالف لها. فلا شك عندنا في
وجود تجانس وترابط بين الدعوة أو الرسالة في جميع تفاصيلها والبيئة وجماعتها
البشرية في استعدادها النفسي والمادي وظروفهما. ولا شك عندنا في أن انتشار
الدعوة وقبولها في البيئات الأخرى يجب أن يكون خاضعاً لمبدأ التجانس والترابط
بين النظرة الفلسفية الخارجة من بيئة معينة واستعداد البيئات الأخرى لقبولها
والعمل بها، أو لتعديلها إذا كان قبولها غير اختياري أو خاضعاً لعامل تاريخي
معيّن" (جنون الخلود ص 210 و211).
· أول الدعوة هو بمثابة أساسها لأنه يعين غايتها واتجاهها الصحيح:
يقول سعاده: "أول الدعوة هو بمثابة أساسها لأنه يعين غاية الدعوة واتجاهها
الصحيح قبل أن يطرأ عليها من التفاعل مع البيئة ما قد يضطرها لاتخاذ أشكال
مختصة بسير الدعوة وواسطة تحقيقها. وليس بحقيقة الدعوة وأغراضها. فالدعوة تعلن
أولاً ثم يكون السعي لتحقيقها وتعميمها. فتحتك بالبيئة وتتفاعل معها. ومن هذا
الاحتكاك والتفاعل ينتج تطور الدعوة في نهجها التطبيقي الذي يحتمل أن يكسب
الدعوة الأساسية النظرة الفلسفية التي يصلح استعداد البيئة الروحي والمادي
لحملها إذا لم تكن لها هذه النظرة من البدء. وليس لهذا التطوّر نهج قياسي عام.
لأنه مختص بالدعوة والبيئة الناشئة فيها، وليست الدعوات ذات نظرة واحدة. وليست
البيئة واحدة في العالم، بل متعددة، وعلى أنواع وخصائص شتى". (جنون الخلود ص
210).
· التمييز بين طبيعة الاجتماع وطبيعة الدين:
يقول سعاده: "إن طبيعة الاجتماع الإنساني غير طبيعة الدين والإيمان. فالمؤمنون
من كل دين أخوة بالمعنى الروحي فقط، أما بالمعنى الاجتماعي ـ الاقتصادي فالأخوة
هم فقط أبناء المجتمع الواحد الذين ألفت بينهم البيئة، وجمعتهم أسباب العيش
ومطالب الحياة لا أسباب السماء ومطالب الإيمان" (جنون الخلود ص 246).
ويقول أيضاً: "الواغلون على المواضيع الاجتماعية والسياسية وحدهم يظنون أن
الأمم تنشأ بالأهواء والرغبات الاستبدادية، لا بالنواميس الاجتماعية، وأن الدول
تقوم على الهوس الديني بالشؤون المختصة بما وراء المادة، لا على القواعد
السياسية ـ الاقتصادية" (جنون الخلود ص 253).
في تعريف الدين
يقول سعاده في كتاب نشوء الأمم: "الدين ظاهرة نفسية عظيمة الخطورة من ظواهر
الاجتماع البشري. ولكن الدين في أصله لا قومي، ومناف للقومية وتكوين الأمة،
لأنه إنساني ذو صبغة عالمية". (نشوء الأمم ص 174 الطبعة الثانية دمشق 1951).
ويقول في أبحاثه المنشورة بين سنة 1940 و1942 تحت عنوان جنون الخلود: "لولا
مسائل الآخرة وخلود النفس والثواب والعقاب لما امتاز الدين بشيء، ولما زاد
شيئاً على التعاليم الفلسفية السامية التي قال بها فلاسفة عظام". (جنون الخلود
ص 78).
ويعرّف الدين بقوله: "الدين في أساسه، وبعد ارتقائه. هو عقيدة معرفة مصدر
الإنسان ومعاده، ومصير الفرد الأخير. فهو، من هذه الناحية، لا يكوّن نظرة إلى
الحياة والكون بالمعنى الاجتماعي ـ الاقتصادي ـ الروحي، ولكنه يؤثر أو يساعد
على إبراز هذه النظرة."
.. و"الدين حين يصبح عقيدة أساسية تشمل المبدأ والمعاد، يصير محور جميع الأفكار
الرامية إلى تكوين نظرة فلسفية في الحياة والكون بالمعنى الاجتماعي ـ الاقتصادي
ـ الروحي، فيكون الدين واسطة لإبراز نظرة المجتمع إلى الحياة، كما تصير هذه
النظرة طريق تحقيق العقيدة الدينية.
إن الدين من الوجهة التاريخية الاجتماعية، مسبب لا سبب. ولكنه يصير سبباً من
الوجهة الوضعية بعد رسوخ العقيدة." (جنون الخلود ص 211).
وفي تحديده لأغراض الدين الإسلامي يقول: "إن الإسلام من حيث هو عقيدة وملة تقسم
إلى قسمين: الأول هو الإسلام كدين، والثاني هو الإسلام كنظام اجتماعي ودولة.
فالإسلام من حيث هو دين يرمي إلى ثلاثة أغراض أخيرة:
1- إحلال الاعتقاد بالله الواحد محل عبادة الأصنام .
2- فرض عمل الخير وتجنب الشر .
3- تقرير خلود النفس والثواب والعقاب". (جنون الخلود ص 164).
ويقول سعاده: "الرسالة القرآنية على نوعين، ويجب أن تدرس من وجهتي الدين
والدولة، وبهذه الطريقة يمكن فهم الإسلام فهماً صحيحاً من الوجهة التاريخية.
وبهذه الطريقة فقط يمكن الاستفادة من مرونة الإسلام لمنع جموده وتحجره كما
تحجرت اليهودية. وبهذه الطريقة يوضع حد لمشعوذي الدين فلا يستشهدون بآيات القسم
الديني في غرض الدولة، وبآيات القسم الدولي في غرض الدين فتتضارب أغراض الإسلام
من دين ودولة كما هو حادث إلى اليوم وتضطرب سكينة المؤمنين المسلمين، الذين
يجدون أنفسهم مسوقين أحياناً لتضحية بعض آيات الدولة في سبيل بعض آيات الدين من
غير معرفة صحيحة لما هو الواجب حسب حقيقة الدين". (جنون الخلود ص 166 و167).
أما منهج سعاده في درس الرسالة الإسلامية المحمدية فيرتكز على:
1- اعتماد الأساس وهو القرآن .
2- فهم عوامل نشأة الدين الإسلامي وتطوره في بيئته التي هي العربة.
3- فهم كون النص القرآني على نوعين : في الدين والدولة.
4- درس القرآن حسب تعاقب السور كما أعلنها النبي، وليس حسب الترتيب القائم لسور
القرآن.
5- معرفة أول كلام فاه به النبي محمد في تأدية رسالته، لأن الكلام الأول في
إعلان الرسالة وعنوانها ومبدؤها وما يأتي بعد يكون تابعاً له، ومؤيداً إياه،
ومكملاً غرضه (جنون الخلود ص 163 و171 و172).
إن أول سورة نزلت على النبي محمد هي سورة العلق، ويقول سعاده: "من درّسنا هذه
السورة نرى أنها اشتملت على الأمور التالية:
1- ذكر اسم الله ونعوت له.
2- القول بالمعاد أو الحشر.
3- إنذار المكذّب الناهي عن الصلاة بسوء العاقبة" (جنون الخلود ص 173).
يميز سعاده في الدين بين القضايا الاعتقادية، التي لا يمكن أن يبت بها إنسان
بالحجة والمنطق والبراهين لأنها مسألة اعتقاد لا مسألة تقرير أمر تاريخي. (جنون
الخلود ص 239) وبين التعاليم الدينية المناقبية. ويقول سعاده: "إن المسيح لم
يشترط على عالم الناموس أن يعترف بأنه هو الكلمة المتجسدة ليرث الحياة الأبدية،
بل اكتفى بتوصيته أن يحب الله ويحب قريبه كنفسه" (جنون الخلود ص 195).
فالتعاليم الدينية المناقبية هي الأساس الذي يجب التشديد عليه ويقول: "إن
المبادئ الدينية الوحيدة التي تفيد الأمم في نهضاتها القومية هي المبادئ
المناقبية" (جنون الخلود ص 152).
وفي دراسته المقارنة بين الإسلام المسيحي والإسلام المحمدي يؤكد سعاده أن:
"المطابقة بين التعليمين المسيحي والإسلامي هي كلية" (جنون الخلود ص 118).
و"لا خلاف في جوهر الرسالة الإسلامية وجوهر الرسالة المسيحية. ولا مغايرة إلا
فيما اقتضاه اختلاف البيئة، لا ما اقتضاه قصد كل من الرسالتين، لأنه لا اختلاف
في أن قصدهما واحد". (جنون الخلود ص 130 و131).
|