صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                      www.ssnps.jeeran.com
 
حدثني ي. س. قال عن حادثة الجميزة
 
رواية الدكتور يوسف سلامة
 

ها أنا أتوجه في الساعات الأولى من بعد ظهر يوم التاسع من حزيران عام 1949، برفقة هشام شرابي لزيارة الزعيم. كان عمري يومها أربعاً وعشرين سنة وأربعة أشهر وإثنين وعشرين يوماً. وكان هشام يومها (ولا يزال) أصغر منّي سناً وأوسع علماً وثقافة، خصوصاً أنه كان قد عاد، لأسابيع خلت، من الولايات المتحدة، حاملاً معه شهادة الماجستير من دائرة الفلسفة في جامعة شيكاغو. وكان الزعيم يومها يعيش في بيت قديم يقع بين شارع بلس وشارع الصيداني بالقرب من الفرن المعروف اليوم بفرن القوميين في رأس بيروت.

كلمة إيضاح للّذين لا يعرفون من هو الزعيم. هو أنطون سعاده، مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي، وفي العرف الحزبي لا تقول: تعرفت إلى الزعيم أنطون سعاده أو الزعيم سعاده بل تعرفت إلى سعاده، أو تعرفت إلى الزعيم. نقطة على السطر.

المهم، زرنا سعاده أنا وهشام، وبعد ما ألقينا التحية على حارسه علي عوض، اقتادنا ناموسه الخاص فؤاد نجار إلى مكتبته حيث كان يجلس مطالعاً.

استقبلنا بحرارة وعلى وجهه بسمة الرضى، ورحّب بهشام بنوع خاص، وفي سياق الحديث أبدى استياءه من بعض مفكّري الحزب الذين ضلوا الطريق فطُردوا. ثم اخبرنا بلباقة أنه على موعد مع أحد السياسيين في فندق نورماندي، وأنه مضطر للتوجه إلى الموعد. ولمّا لم يكن يملك سيارة خاصة، ولا خدماً ولا حشماً، تبرعت بنقله إلى الفندق بسيارتي، الفورد المكشوفة. جلس إلى جانبي وجلس هشام في المقعد الخلفي، واتجهنا إلى حي الزيتونة قرب البحر، في صالون الفندق كان بانتظاره وزير الداخلية جبرائيل المر الذي اختلى به حوالي نصف ساعة، وبقينا وهشام في الخارج ننتظر انتهاء الاجتماع كي نعود معاً حيث أتينا.

يومها بدا سعاده في حالة نفسية مرتاحة. لقد خاض معارك داخلية وخارجية عديدة منذ عودته من الأرجنتين في الثاني من مارس سنة 1947، بعد هجرة قسرية دامت أكثر من تسع سنوات. ففي أقل من سنتين من العمل والصراع المضني والمتواصل، تمكن من قلب المعادلات القائمة على الساحة السياسية المحلية وتحقيق إنجازات هامة أعاد اللون السوري القومي إلى حزبه بعدما كان رئيس الحزب وبعض معاونيه قد تفرّدوا وشطّوا في أثناء غياب سعاده، فعملوا على لبننة الحزب وتسييس مفاهيمه. حمل السلاح متحدّياً، ووقف في وجه الحكم اللبناني الذي أصدر مذكرة توقيف بحقه بتهمة مهاجمة الكيان اللبناني. ثبّت النظام في حزبه، وأعاد الثقة إلى نفوس الأعضاء، ونشر وشرح وفسّر مبادئ حركته في محاضرات ومقالات وخطب وأحاديث ومواقف، وأصدر جريدة يومية تنطق باسم الحزب. وضع الأطر العلمية الصحيحة لمفهوم المجتمع والأمة السورية، وشق بحزبه وتعاليمه أول طريق متكامل نحو الحداثة. أعاد، كالأسطوانة المكسورة، التنبيه إلى أخطار الصهيونية وخطر ضياع فلسطين(!)، هاجم الطائفية وعملاء الصهيونية في لبنان والعالم العربي، وحمّلهم مسؤولية ضياع فلسطين وعار الهدنة، وأخيراً ذكّر الشعب السوري في لبنان والشام والعراق والأردن، بضياع فلسطين والإسكندرون وكيليكية وسيناء.

لم يكن يدور في خلد سعاده ذلك اليوم، وهو يتحدث بإلفة وصداقة إلى الوزير المر، أن الطغمة الطائفية في لبنان كانت تخطط للتخلص منه ومن حزبه، فالدعوة التي أطلقها وعمل لها طوال حياته من أجل توحيد كيانات الأمة السورية (الهلال الخصيب) في دولة واحدة قومية اجتماعية قوية حديثة منظمة علمانية، هي دعوة مرفوضة أصلاً من قِبَل دول الاستعمار و"إسرائيل". وهي مرفوضة أيضاً من قِبَل معظم دول الهلال الخصيب والدول العربية المحيطة بسوريا الطبيعية. زد على ذلك رفض معظم الطوائف والأقلّيات الدينية المنتشرة في العالم العربي لهذه الدعوة. والأهم من هذا كله هو أن دعوة سعاده كانت، من الوجهة الإستراتيجية، واضحة المعالم: قيام دولة حديثة قوية في سوريا الطبيعية تمكن الشعب بأكمله من مواجهة خطر الاستعمار الصهيوني واسترجاع فلسطين.

هذا الوضوح في الفكر القومي والتعبير ممنوع. إنه ممنوع منذ قديم الزمان، فالدول الكبرى التي ترعى مصالحها أولاً وآخراً، لا تريد الخير لا للشعب السوري ولا للشعوب العربية الأخرى. والدول الإقليمية والعربية تخاف من قيام دولة علمانية حديثة في قلب العالم العربي. أما الطوائف والمذاهب، والأديان فهي ترفض سماع مَن ينادي بفصل الدين عن الدولة. طرح سعاده خطر، طرح سعاده مرفوض.

كان سعاده يعرف كل هذا. وكان يحاضر دون ملل شارحاً أن العمل على طريق الحياة عمل طويل وشاق، وأن التقدم على هذا الطريق لا يتم إلا بالصراع المتواصل وبالتضحية والاستشهاد. كان يؤمن مثلاً أن في الشعب السوري "قوة لو فعلت لغيّرت وجه التاريخ"، وأن "الدماء التي تجري في عروقنا هي وديعة الأمة فينا… متى طلبتها وجدتها" وأن الحياة هي "وقفة عزّ فقط" ولكنه، على الرغم من وضوحه الفكري وثقته بنفسه وبمستقبل شعبه وأمته، لم يكن يعلم في تلك اللحظات، لحظات خروجه من فندق نورماندي، أنه كان يعيش الثواني والدقائق الأولى من الثلاثين يوماً المتبقية من عمره.

عاد سعاده إلى السيارة، وقبل أن أدير المحرك لأتوجه به إلى بيته، سألنا إن كنا مشغولين. ولما جاءه جوابنا بالنفي، اقترح علينا التوجه إلى المكاتب الجديدة لـ "الجيل الجديد"، جريدة الحزب اليومية، قائلاً إن أحد الرفقاء المتمولّين العائدين من المهجر، أنشأ مطبعة حديثة في منطقة الجميزة في شارع متفرع عن الشارع الممتد من سينما أمبير باتجاه الأشرفية، وأن مكاتب تحرير الجريدة انتقلت إلى هناك . فاتجهت إلى البرج، ومنه يساراً باتجاه نهر بيروت ماراً بالسينما وسوق لحم الخنازير.

وبعد التوقف والاستفسار اهتدينا إلى مكاتب الجريدة، فصعدنا الدرج القصير إلى الطابق الأول. بعد التحية وزوال الدهشة التي استحوذت على المحررين، دخل سعاده أحد المكاتب طالباً الخلو بنفسه لبعض الوقت كي يتسنى له كتابة مقال لعدد الجريدة الطالع، وبقيت أنا وهشام مع بعض القوميين في غرفة الجلوس الواسعة.

لم يمض أكثر من نصف ساعة على وصولنا حتى سمعنا أصواتاً صاخبة مرتفعة آتية من المقهى الواقع في الزاوية المقابلة لمبنى الجريدة، قال أحد القوميين إن هذا المقهى يخص أحد أعضاء حزب الكتائب اللبنانية، وأن صور بيار الجميل تزين زجاج واجهاته من كل صوب.

بعد دقائق تزايد الصخب والضجيج وعلت أصوات التحديات والشتائم، ثم لعلع صوت الرصاص. وبينما كان أحد القوميين يتصل تلفونياً بمركز الحزب طالباً إرسال الحراسة المسلحة للزعيم، وصلت سيارة إلى مكتب الجريدة ونزل منها عصام المحايري وصاحبها صبحي فرحات وكانا قد قدما من دمشق على رأس وفد حزبي لمقابلة الزعيم، ولما لم يجداه في بيته توجها إلى مكاتب الجريدة.

تزايد إطلاق الرصاص بشكل ملحوظ عند دخولهما البناية، كما تزايد عدد الكتائب والمسلحين المتجمهرين أمام المقهى في الشارع الرئيسي.

فتح سعاده باب الغرفة التي كان يعمل فيها، وتساءل عن أسباب الضجة والرصاص، فأخبره أحد القوميين بأن هنالك حشداً مسلحاً من الكتائب خارج البناية، وأنه طلب المساعدة المسلحة من مركز الحزب. فهز رأسه دون انفعال وعاد لمتابعة مقاله. وقد علمت، فيما بعد، أن المقال الذي كان يكتبه وُجِدَ ممزقاً في سلة المهملات، وأنه استبدله بمقال آخر نُشر في حينه تحت عنوان "هشيم الطائفية يشتعل بالجميزة".

فور انتهاء الزعيم من الكتابة كان فكتور أسعد، مسؤول التدريب في الحزب، وقد وصل إلى المكاتب مصطحباً معه خمسة من المقاتلين، فتوجه سعاده عبر الدار إلى الباب الرئيسي فالدرج. وكان قد سبقه إلى الشارع فكتور ورفاقه، ومشينا أنا وعصام وهشام وصبحي وراء الزعيم.

الأحداث، كالتاريخ، لا تعيد نفسها، وهي، كالأحلام، تزول مع الوقت وتضمحل في نعيم النسيان والفراغ. لكنّ الذاكرة تعيد إلى الذهن في يقظتها بين وقت وآخر معالم أحداث محفورة تحت عتبة الوعي، بمادة يصعب محوها وإزالتها.

فكتور أسعد يقف في وسط الشارع مقابل مدخل البناية، مديراً ظهره بتحدٍّ مفضوح إلى الكتائبيين المسلحين المحتشدين في المقهى وخارجه. المقاتلون الخمسة مصطفون بتأهب على الرصيف، الوجوه عابسة والسلاح غير ظاهر. سعاده ينزل الدرج إلى الشارع ونحن وراءه. فكتور يصرخ بصوت عالٍ كالرعد: "تحية للزعيم خذ" ويمتثل المقاتلون كالمشط. يرفعون أرجلهم اليمنى ويضربونها كالمطارق على الرصيف، وترتفع أيديهم بالتحية الحزبية وهم يصرخون بصوت واحد: "تحيا سوريا".

السكون يطبق على المقهى. الخوف يطبق على أعداء الجيل الجديد. سعاده يمر بهدوء وبرودة أعصاب بين فكتور والمقاتلين رافعاً يده بالتحية. يسير ببطء باتجاه المقهى حيث كانت سيارة صبحي متوقفة. يدخل السيارة ويدخل وراءه عصام وأحد المقاتلين. صبحي يقود سيارته عكس السير سالكاً الطريق العام باتجاه السينما فالبرج، وأقود أنا سيارتي وراءه وبقربي هشام.

الطلقات النارية تطاردنا. الخنازير المشطورة تتدلى من كلاّبات الجزارين. الأضواء المشعشعة تعلن عن فيلم جديد ليوسف وهبي. شرطي السير يستوقفنا مستفهماً، ثم يسهل مرورنا. نقطع البرج إلى باب إدريس، إلى طلعة جنبلاط، إلى الجامعة الأميركية، إلى شارع بلس، إلى بيت سعاده.

سبقتنا أخبار الجميزة إلى رأس بيروت. حديقة بيت سعاده مكتظة بمئات لقوميين. السلاح الخجول بدا بالظهور للعيان. الكل ينتظر التعليمات. الكل ينتظر الأوامر. الكل مستعد للتضحية وللقتال وللاستشهاد. الكل مستعد للدفاع عن الزعيم وعن الحزب. وعن عزك يا سوريا.

تسارعت الأحداث بعد وصول سعاده إلى بيته، وأخذت الأخبار ترد تباعاً: أعداد من حزب الكتائب تهاجم مكاتب جريدة "الجيل الجديد" وتضرم النار فيها. جرح ثلاثة من القوميين ونقلوا إلى مستشفى أوتيل ديو. رجال الأمن يلقون القبض على عدد من القوميين المتواجدين في مكاتب الجريدة. المسؤول عن إصدار الجريدة وديع الأشقر يتمكن من الإفلات ويصل إلى رأس بيروت. الزعيم يطلب من أجهزة الحزب المختصة التحضير لرد رادع مسلح سريع، مرجل النهضة يغلي والحزب في حالة استنفار قصوى.

لم أكن من المسؤولين رسمياً في الحزب. كنت في تلك الأيام منهمكاً في اهتمامات أخرى يتمحور معظمها حول الجنس اللطيف. أما هشام فكان يحضّر نفسه للعودة إلى جامعة شيكاغو لمتابعة دروسه العالية، وكان يحثني على اللحاق به لمتابعة دروسي.

وهكذا، وبالرغم من الأحداث، افترقنا بعد أن كنا قررنا النوم باكراً على أن نلتقي صباح اليوم التالي لتدارس التطورات ومخططاتنا المستقبلية. ولكن الرياح، كما يقولون، تجري بما لا… فبينما أنا متوجه إلى سيارتي التي كنت قد أوقفتها تحت شجرة الخرّوب أخبرني أحد المسؤولين أن الزعيم يطلب إليّ أن أبقى تحت تصرفه، وأن أحضر معي سلاحاً إن كنت أملكه.

في تلك الأيام كنت أسكن مع جدتي أم فريد، في بيت خالي منير أبو فاضل، الواقع قرب المنارة في رأس بيروت. وكان خالي قد عاد من فلسطين وفي قلبه مرارة الألم من احتلال قوات غلوب باشا الأردنية مواقع قوات الجهاد المقدس في القدس القديمة وغيرها من مناطق فلسطين الوطنية. وكان حاملاً معه تاريخ جهاد مجيد ضد الصهاينة، وكمية من أسلحته الخاصة.

قلت لنفسي: ليس هنالك من ضرر من طلب بعض القطع من السلاح، ولكنني خفت أن يطلب إليّ خالي البقاء في البيت وتفادي الأحداث. توجهت إلى البيت، وشرحت لخالي ما حدث في الجميزة وطلبت قطعة سلاح. فقال لي أن أتصرف كما أشاء، وأن السلاح الموجود عنده هو لمناصرة كل حركة وطنية. عندها أخذت الرشاش الذي كنت أستعمله في أثناء الحراسة الليلية يوم كنت أعمل في الهيئة العربية العليا في القدس، وأخذت أيضاً مسدساً من نوع بيريتا، وبندقية إنكليزية قديمة، وكمية من الذخيرة والقنابل اليدوية.

وضعت هذه الجبخانة في صندوق سيارتي، وعدت إلى موقعي تحت الخرّوبة. سلّمت الأسلحة لأحد المسؤولين، وقدمت الرشاش هدية لعلي حارس الزعيم، والمسدس لأيدب قدورة، وبقيت أنا في الحديقة أنتظر التعليمات.

الأحداث التي تلت حادثة الجميزة أصبحت جزءاً من تاريخ الحزب السوري القومي الاجتماعي. فلقد تناقلتها الصحف المحلية والعربية والعالمية، ووسائل الإعلام، وكَتَبَ عنها لاحقاً، وبشكل مستفيض، العديدون من القوميين والبحّاثة ورجال الفكر. وقد شدّد معظمهم على أهمية هذه الحقبة من تاريخ النضال القومي في بلادنا. أما أنا فما عدت أتذكر الكثير من تفاصيل تلك المرحلة.

أتذكر الزعيم وهو نازل من على درج بيته بهدوء ورويّة، والعقدة ظاهرة بين حاجبيه. وأتذكّره وهو يخترق صفوف القوميين المنتظرين في الحديقة، والمنتشرين حول بيته، وهو يبتسم ابتسامة الواثق من نفسه ومن صلابة رفقائه وقدراتهم. أسير معه ببطء نحو الخروبة، ولقد انتقلت إليّ عدوى الرصانة وهدوء الأعصاب، ويسير وراءنا علي حاملاً رشاشه الجديد القديم. نركب سيارتي وننطلق نحو منطقة الأوزاعي، وتبتلعنا الظلمة.

تابعت سيري سالكاً طريق البحر نحو خلده. كان الزعيم واجماً يفكّر. كنت أعتقد أنه قرر التوجه إلى الجبل أو إلى الشوف، لقيادة المعركة العسكرية المحتملة من معاقل القوميين هناك. ولكن تقديراتي جاءت خاطئة. فما إن وصلنا إلى مسبح السان سيمون حتى طلب إلى التوقف قرب أحد أكواخ السباحة الخشبية المتناثرة على شاطئ البحر نزل علي من السيارة، وتفحص الكوخ وكأنه يعرفه من بقل . وقد علمت، فيما بعد، انه كان يخص السيدة القومية معزز روضة، النحاتة المعروفة.

كان الكوخ مقفلاً وأضواؤه مطفأة. عدنا باتجاه المدينة، ولما وصلنا إلى منطقة حبس الرمل، طلب الزعيم إليّ التوقف قرب إحدى البنايات العالية وبعدها شكرني. نزل من السيارة وقال لي أن مهمتي قد انتهت، وسار برفقة حارسه إلى منزل منير الحسيني. وكانت تلك اللحظة هي آخر مرة شاهدت فيها سعاده.

قبل أن أدير محرك سيارتي، اقترب مني خالد جنبلاط وفؤاد شاوي، وطلبا إليّ أن اقلهما إلى رأس بيروت، فلبيت الطلب . وكان الظلام الدامس قد خيم على المدينة.

عند وصولنا إلى أول شارع الحمرا، قال فؤاد أن الجيش ورجال الأمن يطوقون المنطقة، وقرر ان يترجل لأنه كان يحمل السلاح. فأنزلته من السيارة وتابعنا السير. وقبل مئتي متر من بيت الوزير جبرائيل المر، حيث تقوم سينما الحمراء اليوم، اعترضنا حاجز من رجال الأمن العام. كانوا بلباسهم المدني، وكانوا يحملون السلاح وأضواء صغيرة كاشفة . اقترب أحدهم وتفحص وجهينا والمقعد الخلفي، ثم سأل بلطف: "الشباب قوميون ؟"

عندها توارت الأفكار، فجالت في مخيلة خالد ومخيلتي تعاليم سعاده، وأن الحزب ليس حزباً سياسياً بل هو مدرسة للصراحة والصدق والنزاهة والتضحية، فصرخنا معاً في وجه الشرطي: "نعم" وكأنه لم يصدق أذنيه، فبدت الدهشة على وجهه، ولكنه تمالك نفسه، وشهر مسدسه وصوبه نحونا قائلاً: "إذا شرفوا معنا". فشرفناه، وأطبقت الكلاّبات الفولاذية على أيدينا. واقتادنا، مع أحد معاونيه، إلى سراي الحكومة في ساحة البرج، ورمى بنا في سجن النظارة.

 

www.ssnps.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع